المعترض في تصوره أننا قبلنا تحكيم الأشخاص ، والحال إننا لم نقبل سوى تحكيم كتاب للَّه .
وهنا سؤال يطرح نفسه : يفهم من كلام الإمام عليه السلام هذا أنّه قبل التحكيم على ضوء رغبته ورضاه ووظيفته الشرعية ، والحال يفهم من عدّة خطب وردت في نهج البلاغة أنّ التحكيم فرض على الإمام عليه السلام وكان ممتعظاً من هذا الأمر ، فكيف يمكن حلّ هذا التناقض ؟
لابدّ من القول في الإجابة عن هذا السؤال أنّ الإمام عليه السلام لم يكن مخالفاً للتحكيم قط ، بل كان الإمام عليه السلام يؤكد على أمرين : الأول : هو أنّ رفع المصاحف على أسنة الرماح كان خديعة ومؤامرة تهدف الحيلولة دون انتصار جيش الإمام عليه السلام في اللحظات الأخيرة من المعركة ، وإيجاد الفرقة والاختلاف بين صفوف عسكر الإمام عليه السلام ، وإلّا فأهل الشام لم يكونوا مستعدين لقبول تحكيم القرآن الكريم ، فلم يكونوا من أهل الدين ولا القرآن حسب تعبير الإمام عليه السلام « 1 » .
الأمر الآخر : هو أنّ الإمام عليه السلام كان معترضاً على أبي موسى الأشعري كممثل له في تحكيم القرآن ، وعليه فليس هنالك من تناقض بين هذه الخطبة وسائر الخطب نهج البلاغة ، والشاهد على ذلك ما فعله الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء طبق نقل أرباب المقاتل أنّه وضع المصحف على رأسه وخاطب أهل الكوفة :
« يا قَومِ إِنّ بَينِي وَبَينَكُم كِتابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ » « 2 » .
قضية التحكيم
نعلم أنّ جيش معاوية حين أشرف على الهزيمة المنكرة في صفين ، فبادر عمرو بن العاص المعروف بمكره إلى توصية أهل الشام برفع المصاحف على أسنة الرماح والقول بالتسليم لحكمالقرآن ، من جانبه قال الإمام عليه السلام بأنّ هؤلاء لا يسلمون لحكم القرآن وليس ذلك سوى خدعة بهدف منع تلك الهزيمة الحتميه ، إلّاأنّ فئة من جهّال عسكر الإمام عليه السلام إلى جانب
هامش
( 1 ) كما ورد في سند هذه الخطبة .
( 2 ) مسند الإمام الشهيد 2 / 43 ، وقد نقل هذا الأمر في الأصل مقتل الحسين ، للمقرّم وقد نقله عن تذكرة الخواص لابن الجوزي ( مقتل الحسين / 233 ) .