ثم أضاف عليه السلام :
« فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ » .
فان وهبه القوّة والصلابة فقد وجب عليه الشكر ، والمراد أنّ أفعال اللَّه وإن استندت إلى الحكمة جميعاً ، مع ذلك فمن تمتع بنعم كثيرة وجب عليه الشكر بافاضتها على الآخرين ليؤدّي بذلك الشكر العملي للنعمة .
والثانية : لو لم يكن هناك من تنسيق بين العسكر فانّ ذلك يؤدّي إلى إحباط الجميع ، وذلك لأنّ العدو إنّما يهجم على الجانب الذي يشعر بضعفه ، فانّ اخترقه وقضى عليه ، إلتفّ ليحاصر باقي العسكر ، وعليه وإضافة لمسألة الشكر فانّ فنون القتال وسياسة المعركة تتطلب من الأجنحة القوية من العسكر شد ظهور الأجنحة الضعيفة وعدم التواني في الدفاع عنها ، بحيث لا تسدد إليها ضربات العدو ، ولا سيّما إذا استطاع العدو أن يشلّ حركة طائفة من الجيش ، فانّه سيتمكن من تحطيم معنويات الجميع .
ثم اتجه الإمام عليه السلام صوب نقطة مهمّة أخرى وهى ضرورة ألا يتصور أحد أنّه يستطيع الفرار من مخالف الموت ، فهو يدرك المقيم والمنتظر والهارب :
« إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لَايَفُوتُهُ الْمُقِيمُ ، وَلَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ » .
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه : الموت على نوعين : موت حتمي ، وموت معلّق أو مشروط ، والذي لا يمكن تغييره هو الموت الحتمي ، أمّا الموت المشروط ، فهو قابل للتغيير على ضوء تغير الظروف والشرائط ، ولعل الموت في ساحة القتال ليس من الموت الحتمي فكيف إستدل الإمام عليه السلام بهذه المسألة وقال بشأن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب .
ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بوجهين :
الأول : هو أنّ الإمام عليه السلام ناظر للموت الحتمي فقط سواء في ساحة القتال أو غير ساحة القتال فلا يمكن اجتنابه .
والثاني : على فرض أنّ الإنسان يستطيع الهروب من مخالب الموت المشروط أو المعلّق ، ولكن ما جدوى ذلك ؟ فالموت الحتمي بالتالي سيدرك جميع الأفراد دون استثناء ، فلا ينبغي للإنسان أن يستسلم للظلمة في مقابل البقاء عدّة أيّام « 1 » .
هامش
( 1 ) مرّ علينا بالتفصيل بحث الموت الحتمي والمعلّق في المجلد الثالث من هذا الكتاب .