طواغيت الشام وذهبت بدماء شهداء صفين أدراج الرياح ، فذلت دعاة الحق وأشعرتهم باليأس .
ثم قال عليه السلام إثر ذلك :
« وَوَاللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ ؛ وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي ، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ » .
إشارة إلى أنّه حين رأيت ما وقع بينكم من شقاق في مسألة التحكيم يتطلب أن أمنعه ، وبخلافه لنازع أحدكم الآخر وشهر السيف في وجه صاحبه ولقاد ذلك الأمر إلى فضيحة كبرى ، وهنا شعرت بالاضطرار لقبول التحكيم .
أضف إلى ذلك فلو فوضتم التحكيم إلى من هو عالم به ولا يفارقه ومحيط بمضمونه ولم تتجهوا صوب فرد بسيط وجاهل كأبي موسى الأشعري ، لفشلت تلك المؤامرة وخمدت الفتنة ، وإن كان فيها من ضرر فهو جزئي محدود ، لكنكم فرضتم عليَّ التحكيم وكذلك أجبرتموني على تحكيم أبي موسى الأشعري ، فسقطتم في هذه الفتنة وتكبدتم كل هذه الأضرار فما تقولون بهذا الخصوص ؟ فهل عليَّ أن أتحمل مسؤولية تقصيركم ؟ وأدفع ثمن جريمتكم ؟ والذي نخلص إليه مّا مرّ معنا من كلام :
1 - أنّ الإمام عليه السلام أقسم مرّتين في هذا المقطع من كلامه ، سيّما في القسم الثاني الذي أردفه بالتوكيد ليبيّن بعده كل البعد عن أدنى تقصير .
2 - ما بيّنه الإمام عليه السلام في القسمين المذكورين ليس فيه ما يدلّ على ترديده في مسألة للتحكيم ، بل إشارة إلى حالتين مختلفتين ، فقد كان مخالفاً بشدّة في البداية ، لأنّه كان يعتبرها مكر وحيلة خطيرة ، ولما اختلف جيشه وصحبه ، وأبى الأعم الأغلب منهم إلّاالتحكيم ، استجاب للتحكيم دفعاً للفتنة وإبعاداً للفرقة والشقاق ، وعليه فقد كانت مخالفته في بداية الأمر وموافقته تستند إلى الحكمة ، وبغض النظر عمّا سبق لو لم يصرّ ذلك الفريق الجاهل على تحكيم ذلك العنصر الفاسد كأبي موسى الأشعري لما كانت المشاكل بذلك الحجم ، فذلك الإصرار الفض هو الذي أدّى إلى عقم نتائج معركة صفين والامتياز الذي حصل عليه أعداء الإسلام ، وبناءاً على هذا فانّ هذه الفئة المتعصبة أخذت تفقد مواضعها الواحد بعد الآخر حتى انتهت إلى ذلك المصير الأسود ، والعجيب أنّهم استجيب للتحكيم ؟ !
نفحات الولاية — صفحة 150
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٠