وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ ، وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ » .
وعليه :
« فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِذِكُمْ ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ : إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ ، وَإِن تُرِكَ ذَلَّ » .
لكن مع الأسف فقد وقعت هذه الفتنة ( التحكيم ) ورأيتكم استجبتم لها ، والآن قد ارتفع صوتكم بعد أن سقطتم في الفتنة :
« وَقَدْ كَانَتْ هذِهِ الفَعْلَةُ ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا » .
حقّاً ، إنّه لمن دواعي العجب ! فقد عرضوا الإمام لأشد الضغوط في اللحظات الأخيرة لتلك المعركة المصيرية والتي أشرفت على تحقيق النصر النهائي حتى فرضوا عليه الاستجابة لخدعه عمرو بن العاص وقبول التحكيم ، بل أبعد من ذلك هددوه بالقتل إن لم يصدر أمره لمالك الأشتر بالانسحاب والفّ عن القتال ، ولما زالت الحجب وتكشفت الأمور وبانت الخدعة توجهوا باللوم إلى الإمام عليه السلام لم قبلت التحكيم ، بدلًا من العودة إلى نفوسهم والاعتذار والهم بإصلاح ما بدر منهم من أخطاء ) .
الجدير بالذكر في هذا الأمر أنّ الإمام عليه السلام ميز الخوارج في بداية الأمر إلى فرقتين ، فرقة شهدت صفين وأخرى لم تشهدها ، لتتضح قضية وهى إن تمرّت الفرقة الثانية بفعل جهلها وعدم إحاطتها بأحداث صفين ، فما بالكم أنتم الذين شهدتم صفين وتابعتم الأحداث ؟ فما المنطق والأسس التي دفعتكم للقدوم إلى النهروان ؟ كيف تتهموني بمسؤولية التحكيم ؟
وهكذا أتمّ الحجّة عليهم وعلى أولئك الفريق الثاني الذي خدع بالفريق الأول ورافقه إلى الميدان ، وليس هنالك أسوأ ممن لا يصغي لكلام الناصح الأمين المشفق ، فان أصابته مصيبة بما قدمت يداه نسب التقصير فيها إلى ذلك الناصح وجابهه بالاعتراض ، نعم ، هذا هو دين الأفراد البعيدين عن الانصاف والذين ينسون ما يصدر منهم من أفعال .
ثم أوضح الإمام عليه السلام حقيقة الموقف بصورة أخرى ليقسم بأنّه لو لم يقبل التحكيم لما كان عليه من مسؤولية في الالتزام بلوازمها ولا يحملها اللَّه سبحانه ذنبها ووزرها :
« وَاللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا ، وَلَا حَمَّلَنِيَ اللَّهُ ذَنْبَهَا » .
إشارة إلى مراده : إن خالفت بشدّة مسألة التحكيم في بداية الأمر فذلك لكي لا أكون مسؤولًا تجاه لوزامها ولا يلحقني وزرها ؛ لأنّ قضية التحكيم أدّت إلى تقوية حكومة
نفحات الولاية — صفحة 149
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤٩