تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
أجل إعدادهم : « أَكُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ ؟ فَقَالُوا : مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ » . رغم أنّ المدّة بين معركة صفين ومقاتلة خوارج النهروان لم تكن طويلة ، لكن لا يعلم كيف اتصلت الفئة الثانية التي لم تشهد صفين بالفئة الأولى الباغية ، وربّما أثرت عليها وساوس الفئة الأولى سمومها التي بثّتها بين أهل الكوفة فجعلتها تلتحق بها وتقف معها في مواقفها الفاسدة . ثم قال عليه السلام : « فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ ، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً ، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً ، حَتَّى أُكَلِّمَ كُلًّا مِنْكُمْ بِكَلَامِهِ » . فالعبارة تفيد أنّ المخاطبين بحديث مهم إن لم يكونوا على مستوى واحد فانّ الفصاحة والبلاغة تقتضي تمييزهم عن بعضهم والتحدث لكل بما يتناسب ووضعه ، ليكون للكلام أثره المرجو والمطلوب ، ومن هنا سلك الإمام عليه السلام هذا النهج : « وَنَادَى النَّاسَ ، فَقَالَ : أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلَامِ ، وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي ، وَأَقْبِلُوا بأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ « 1 » شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا » . فالذي يستفاد من هذه العبارة أنّ الخوارج أو جيش الإمام عليه السلام ممن حضر هناك ، أو كلاهما ، أنّهم كانوا مشغولين بالكلام مع بعضهم البعض الآخر ، فقد دعاهم الإمام عليه السلام إلى الصمت والاستماع لما يقول والاقبال عليه بقلوبهم ليستعدوا للتفاعل مع الكلام ، كما اختار من جمعهم بعض الشهود : « ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عليه السلام بِكَلَامٍ طَوِيلٍ ، مِنْ جُمْلَتِهِ أنْ قَالَ عليه السلام : » « 2 » . فقد أخذ الإمام عليه السلام أيديهم إلى الماضي القريب وذكّرهم بكبر أخطائهم وعظم معصيتهم وتمردهم ، ثم خاطب الفرقة التي شهدت صفين : « أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً « 3 » ، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً : إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا ، اسْتَقَالُونَا « 4 » وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ « 5 » عَنْهُمْ ؟ » . بعد ذلك طرح الإمام عليه السلام ردّه على تلك الخدعة : « فَقُلْت‌ُلَكُمْ : هذَاأَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ ،
هامش
( 1 ) « نشد » : من مادة « نشد » بمعنى النداء والسؤال والطلب وهنا بمعنى الاستشهاد . ( 2 ) هل هذه الجملة للسيد الرضي أم كلام رواي الخطبة الذي نقل عنه السيد الرضي ، لا يعلم بالضبط ، لكن من المسلم به أنّ كلام الإمام عليه السلام أكثر ممّا ورد في نهج البلاغة وقد اعتاد السيد الرضي على اقتطاف أفصح وأبلغه . ( 3 ) « غيلة » : بمعنى « غدر » . ( 4 ) « استقالوا » : من مادة استقالة بمعنى عودة الشيء . ( 5 ) « تنفيس » : بمعنى الكف والحل .