تخلفت طائفة منكم لاستبدلتها بأخرى ( على كل حال لو أطعتموني في مواصلة القتال ) وهذا هو الحق الذي ليس بعده إلّاالضلال ، لكن من المؤسف إنّكم لم تجيبوني ، فبمن استظهر على العدو وبمن أثق ؟
« أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ ، وَإِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ ، لَكَانَتِ الْوُثْقَى ، وَلكِنْ بِمَنْ وَإِلَى مَنْ ؟ » .
فالإمام عليه السلام قد بيّن بهذا الردّ القاطع حقيقة في أنّ نيّتي مواصلة الجهاد حتى تحقيق النصر ، سيّما أننا على أعتاب النصر ، وكنت مستعداً لمواصلة هذا الطريق بكل قوّة وعزم ، ولذلك نهيتكم عن التحكيم ، لكنكم أفراد ضعاف لا إرادة لكم وطغاة عصاة لستم مستعدين للقيام بهذا العمل ، وعليه فلم يكن لي من سبيل سوى قبول التحكيم ، والحال رجعتم الآن عن رأيكم وسوّلت لكم أنفسكم الاعتراض عليَّ .
ثم أعرب الإمام عليه السلام عن دهشته فقال :
« أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَأَنْتُمْ دَائِي ، كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا « 1 » مَعَهَا ! » .
فالتشبيه المأخوذ من المثل المعروف تشبيه غاية في الدقة والبلاغة ، فعادة ما يخرجون الشوكة التي تغوص في الرجل بإبرة أو منقاش ، فان أريد سلّها بشوكة أخرى احتمل أن تغوص الثانية فيالرجل أيضاً ، فيزيد الطين بلّة حتى أصبح الأمر بصيغة مثل تعارف عند العرب حيث يقول :
« كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلْعَهَا مَعَهَا » .
فالمثل يصرب لمن يحكم آخر لرفع الاختلاف بينه وبين شخص آخر والحال يرغب ذلك الفرد بزيادة العداوة والنزاع ، فمراد الإمام عليه السلام إنّي أريد أن أدفع بكم عصاة الشام بينما أنتم العصاة الذين يجب تأديبهم ، على كل حال ، فانّ هذه العبارات التي تفيض معاناة تفيد مدى الوضع العصيب الذي شهده الإمام عليه السلام ، فانّ أمرهم بالهجوم ومواصلة القتال خالفوه وقالوا :
عليك بالنزول لحكم القرآن ، وإن طرح عليهم قضية التحكيم اعترضوا عليه بالقول : لم تسلّم لمنطق العدو ؟ فلكل هواه ورأيه ، ولكل فكره ونهجه ، بحيث انتهى بهم الأمر إلى اتهام أعظم
هامش
( 1 ) « ضلع » : من مادة « ضلع » على وزن سبب بمعنى الميل نحو الشيء ، وتعني هنا الشبه والمثل .