بالآخرة ومحكمة العدل الإلهي وشئ من العذاب الأليم ، فانّه يتحكم ويسيطر على أهوائه ويجتنب الظلم والجور ولا يقارف الذنب والمعصية ، أمّا أولئك الذين ليس لهم من إيمان بهذه الأمور ولا يعتقدون بالحساب والكتاب والثواب والعقاب ، فليس هناك ما يدعوه إلى السيطرة على أهواءه وكفّ الأذى عن الآخرين وعدم التعرض لحقوقهم .
نعم ، يمكن للضمير أن يجد من هوس الأفراد إلى حدود معينة ، لكن من اليقين أن ليس لذلك من بعد عمومي وشامل ، وتأثيره يبقى متواضعاً ، أضف إلى ذلك فانّ نبتة الضمير تذبل وتجف وتموت ما لم تسق بماء تعاليم الأنبياء عليهم السلام .
أمّا الموعظة الأخيرة والخامسة فقد أشار إلى نقطة مهمّة جدّاً فقال :
« أَلَا وَإِنَّ اللّسانِ الصّالِحِ يَجعَلُهُ اللَّهُ تَعلى لِلمرءِ فِي النّاسِ ، خَيرٌ لَهُ مِنَ المَالِ يُرِثُهُ مَنْ لَايَحْمَدُهُ » .
إنّ أغلب الناس وبدافع حبّهم لأولادهم وأزواجهم يبذلون قصارى جهدهم من أجل ضمان مستقبلهم ويفنون جانب عظمياً من أعمارهم في هذا المجال حتى أنّهم يخلطون أحياناً الحلال بالحرام ، لكنّهم يغفلون عن قضية مهمّة دلّت عليها التجربة أنّه قلّما نجد وارثاً يحمد من ورثه على ما خلفه لهم من ميراث ، بل غالباً ما تكون الأموال الموروثة مصدراً للشقاق والاختلاف والنزاع ، ولا غرو فكل فرد يسعى لأن يحصل لنفسه على السهم الأوفى ، حتى قيل موت الغني بداية قتال الفقير .
بل قد يتجاوز الأمر ذلك لنشهد سبّ الوارث والتشنيع عليه والتعرض له بالذم من جراء ما خلفه من مشاكل بسبب الإرث .
والحال لو تجاوز الإنسان وهو على قيد الحياة ذاته وأنفق قسماً من أمواله كصدقة جارية وخدمة إنسانية وثقافية يسديها إلى المجتمع لبقى ذكره الطيب بين النايس فلن ينسوه أبداً ، ويثنون عليه دائماً ويسألون اللَّه له المغفرة والرحمة ، فهذا هو ثوابه في الدنيا ولثواب الآخرة أعظم .
نفحات الولاية — صفحة 131
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣١