فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أراد بهذه العبارة مزج الأدلة العقلية بالنقلية وتعبئة الجميع من أجل متابعة سبيل الحق ، وقد قال الإمام عليه السلام هنا ثلاثة أنواع لعقل هي : العقل الحاضر والبعيد والغائب ، يمكن أن يكون الأول إشارة إلى المسائل العقلية الواضحة ، والثاني إلى المطالب النظرية التي يبلغها الإنسان من خلال الطرق الاستدلالية الواضحة ، والأخير إشارة إلى المواضع المعقدة التي يتعذر التوصل إليها من خلال الدليل والبرهان ، فمن البديهي أن يتعذر إدراك المطالب النظرية والمعقدة والبعيدة عن الفكر على من لا يستفيد من المسائل الفكرية البسيطة .
ففي المسائل النظرية تتضح تماماً معرفة اللَّه يوم القيامة ( بالمبدأ والمعاد ) ، وذلك لأنّ آياته قد ملأت جميع العالم ، والقيامة التي تمثل محكمته العادلة ثابتة بحكم العقل ، وفي المسائل العلمية فانّ حسن العدل وقبح الظلم ومدح الصدق والوفاء والعفة والورع والتقوى مسلم للجميع ، ولكن قد يحول التعصب الأعمى وأهواء الإنسان دون الوقوف على هذه الأمور الواضحة ، فأنى لمثل هذا الفرد أن يبدي رأيه في المسائل النظرية والمعقدة ويبلغ الهدف المطلوب .
ثم خاطب الإمام عليه السلام الناس في المواعظة الرابعة بصفته منذر عالم فقال :
« وَاتَّقُوا ناراً حَرُّهَا شَدِيدٌ ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ « 1 » » .
والعبارات البليغة التي أوردها الإمام عليه السلام بشأن نار جهنم والتي تكفي كل واحدة منها لصد الإنسان عن الذنب إنّما اقتبست من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، فقد جاء في الآية :
« قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً . . . » « 2 » .
وجاء في أخرى : « يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ . . . » « 3 » .
يعني أنّها على قدر من الكبر والسعة بحيث لا تمتلئ بسهولة ، وجاء في أية أخرى : ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ » « 4 » .
وجاء في آية أخرى : « مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ » « 5 » ، قطعاً من يؤمن
هامش
( 1 ) « صديد » : الماء الساخن ، كما ورد بمعنى ماء الجرح الرقيق .
( 2 ) سورة التوبة / 81 .
( 3 ) سورة ق / 30 .
( 4 ) سورة الحاقة / 30 - 32 .
( 5 ) سورة إبراهيم / 16 .