وعليه فالحوادث المزعجة والعوارض المقلقة التي تصدع باستمرار هدوء الإنسان في الحياة الدنيا ، لا وجود لها في الآخرة ، والإنسان في راحة تامة هناك ينعم بالسكينة والاستقرار والحياة المملوءة بالفرح والسرور ، فليس هنالك من خطر يهدده ، ولامرض ولا عوامل طبيعية مرعبة من قبيل السيول والزلازل والقحط وسائر الحوادث الاجتماعية التي تدعوا إلى النزاع والحرب فتهدد أمنه .
والفارق بين العبارة
« لايظعن النزال »
والعبارة
« ولا تشخصهم الأسفار »
في أنّ الأولى إشارة إلى السفر الاضطراري الذي قد يجبر عليه الإنسان في الدنيا أحياناً فيترك وطنه بالمرة ، والثانية إشارة إلى الأسفار التي يضطر لها الإنسان في الدنيا بهدف تلبية حاجاته ومتطلباته فيتحمل المشاق والمصاعب ، وليس هنالك أي من هذين السفرين في الدار الآخرة .
نعم فالحياة الدنيا مهما كانت مريحة مفعمة بالنعم إلّاأنّها ليست حلوة مرجوة بسبب تلك الآفات والعوارض ؛ بينما حلوة هي الدار الآخرة لخلوها من هذه الآفات والعوارض .
وهنا قد يقتدح إلى الأذهان هذا السؤال اننا لندرك قيمة النعمة حين نفقدها والصحة والعافية والسلامة حين السقم والمرض ، وما لم نر ظلمة الليل فلا نقف على أهمية شعاع الشمس في النهار ، أفلا يغيب عن الإنسان إدراك لذة تلك النعم إذا لم تطرأ عليها الحوادث المذكورة ؟
وللإجابة على هذا السؤال لابدّ من الالتفات إلى نقطتين : الأولى أنّ نعم الآخرة في حالة تغيير ، أي هناك نعمة تستبدل بأخرى على الدوام ، وكل يوم يفاض عليهم نعم جديدة ، ومن شأن هذا التغيير أن يقضي على حالة الرتابة . والثانية ما يجعل نعم الدنيا مريرة هو أنّها محفوفة بالاخطار ، والذي يؤرق الإنسان هو عدم انفكاكه عن التفكير في سلبها وزوالها ، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى عدم وجود هذه الأمور في نعم الآخرة .
فقد ورد على لسان أهل الجنّة حين حمدهم للَّهوثنائهم عليه : « وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذهَبَ عَنّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا
نفحات الولاية — صفحة 384
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٨٤