منه وتدارك ما قصر فيه ولذلك قال عليه السلام :
« فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له « 1 » عند
الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره » .
وهنا يتذكر الحساد الذين واجهوه في حياته وحاولوا الاستيلاء على أمواله وثرواته ويسلبوه ملكيتها ، إلّاأنّه حال دونهم بفكره وشطارته ولم يدعهم ينيلون منها ، إذ ذاك تمنى حين هجم عليه الموت ألا يكون قد أخذها ، وليتها صارت من نصيب من حسده وغبطه عليها :
« ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه » .
ثم خاض عليه السلام في تفاصيل الموت بعبارات تهز النفس وتوقظ الضمير ، وكأنّه يعيش تلك الحالة ويوشك أن يودع الدنيا الفانية :
« فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه » .
فأخذت الأعضاء تموت الواحد بعد الآخر ولم يبق له من لسان ناطق أو أذن سامعة :
« يردد طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ، ولا يسمع رجع كلامهم »
أنّهم يسعون لأنّ يرتبطوا به ولكن لم يعد هنالك من سبيل .
ثم قال عليه السلام :
« ثم ازداد الموت التياطاً « 2 » به ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت
الروح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد أو حشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكياً ، ولا يجيب داعياً » .
ثم بلغ مرحلته الأخيرة :
« ثم حملوه إلى مخط « 3 » في الأرض ، فأسلموه إلى عمله ،
وانقطعوا عن زورته « 4 » » .
لقد ألفوه سنوات ، كان يضحكون معه وربما لم يطيقوا بعده ، أمّا الآن بعد أنّ حل الموت بساحته ، فهم لم يعودوا يتحملوا الجلوس بقربه ولو لساعه ، وكأنهم لم يألفوه وكانوا غرباء عنه .
تأمّل : سكرة الموت والاحتضار
ليست هناك من لحظة يتعرض فيها الإنسان لأعظم خطر طيلة حياته أبلغ وأوجع من لحظة الاحتضاره فهي .
هامش
( 1 ) « أصحر » برز في الصحراء ، أي على ما ظهر له وانكشف من أمره .
( 2 ) « التياط » من مادة « ليط » على وزن ليل الالتصاق .
( 3 ) « مخط » الحفرة وتطلق على القبر ، لأنّهم بحظون ثم يحفرون .
( 4 ) « زوره » من مادة « الزيارة » وجاءت بهذا المعنى .