القسم الرابع : سكرات الموت
« اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ، ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً ، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ ، عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالًا جَمَعَهَا ، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا ، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّ حَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا ، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا ، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقَهِا ، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا ، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ ، وَالْعِبءُ عَلَى ظَهْرِهِ . وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا ، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَيَزْهُدُ فِيَما كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ ! فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَايَنْطِقُ بِلِسَانِهِ ، وَلَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ :
يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وجُوهِهِمْ ، يَرَى حَرَكَاتِ ألْسِنَتِهِمْ ، وَلَايَسْمَعُ رَجْعَ كَلامِهِمْ . ثُمَّ ازْدَادَ زاد الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ ، قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِه ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ . لَا يُسْعِدُ بَاكِياً ، وَلَا يُجِيبُ دَاعِياً . ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِي الأَرْضِ ، فَأَسْلَمُوهُ فيهِ الَى عَمَلِهِ ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ » .
الشرح والتفسير
تطرق الإمام عليه السلام هنا إلى سكرات الموت بعبارات تهز أعماق الإنسان وتلفت انتباهه إلى