تلك الحقيقة :
« اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت » .
فالواقع هناك هجوم ثقيل على الإنسان وهو على أعتاب الموت : الأول هجوم سكرات الموت ، وهو حالة تشبه السكر تحدث للإنسان حين يحل أجله ، وقد تستولي أحياناً على عقله فتجعله يعيش حالة من الاضطراب والقلق العظيم .
والآخر حسرة فقد ان كل شيء كان قد أجهد نفسه عمراً طويلًا من أجل الحصول عليه وعانى في سبيله الأمرين .
وهى أمور تعلق وشغف بها وكأنّها أصبحت جزءاً من وجوده وكيانه ، وإذا به يرى الآن أنّه يودعها إلى غير رجعة ، وهذا ما يضاعف من قلقه واضطرابه ثم خاض عليه السلام في شرح تفاصيل تلك السكرات ، حيث تضعف حينها الأعضاء والجسد بعد أن يتغير لونها ، ثم يدب فيها الموت بالتدريج ، فيفصلها عن اللسان ، والحال هو جالس بين أهله يراهم بعينه ويسمع كلامهم باذنه ، وهو على سلامة من عقله :
« ففترت لها أطرافهم ، وتغيرت لها أطرافهم ، ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع باذنه ، على صحة من عقله ، وبقاء من لبه » .
فالذي يستفاد من هذه العبارات أنّ أول ما يتوقف عن العمل هو لسان الإنسان . اللسان الذي يعدّ أكبر سند للإنسان من أجل حل مشاكله ، ويالها من حسرة وفاجعة أن يرى الإنسان بعينه ويسمع باذنه وهو على سلامة من عقله ولبه ، لكنه لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة فيلهج بما يريد . ذكر أحد شراح نهجالبلاغة هنا مثالا من التوراة عن الموت حيث شبهته بالشجرة ذات الأشواك التي تغوص في جميع البدن ، ويغرس كل شوكة في عصب من عصبه فتمزقها جميعاً وتقضي عليه .
ثم واصل عليه السلام كلامه بشأن من هجم عليه سكرة الموت في أنّه فاق من غفلته واستغرق في التفكير فهو يفكر فيم أقضى عمره وذهب به أدراج الرياح وكيف أفنى دهره :
« يفكر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره » .
يتذكر هنا الأموال والثروات التي جمعها وقد أغمض عينيه عن الكيفية التي جمعت بها
نفحات الولاية — صفحة 374
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٧٤