يلدوا ذلك النصر المبارك الذي يضع حدا لغارت أهل الشام وتطاولهم على حرمة الإسلام والمسلمين ، إلّاأنّهم أسقطوا ذلك النصر في آخر اللحظات بفعل جهلهم . فقد خدع القوم بحيلة عمرو بن العاص حين رفع المصاحف على أسنة الرماح ، فتعالت الأصوات بالرجوع إلى القرآن ، حتى هدد الإمام عليه السلام بالقتل إذا لم يرجع مالك الأشتر ويكف عن القتال ولم يكن سوى بضع خطوات بينه وبين معاوية . فمثل هذه المرأة إذا فقدت زوجها ولم تحظ بزوج مناسب وماتت غصة في هذه الدنيا ، فمن الطبيعي أن يرثها الأبعد ، فليس لها من ولد يكون لها إمتداداً ، وليس لها زوج يبكيها ( على فرض أنّ ليس لها أب وأم ) . وذهب البعض إلّاأن هذا الكلام إشارة إلى نبوءات على ما سيصيب أهل العراق من جراء سوء تدبيرهم في صفين ، حيث سيفقدون إمامهم لجهلهم وتمردهم فيسلط عليهم البعداء فيسومونهم سوء العذاب ، وهذا ما وقع بالفعل ، ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى هجرته من المدينة إلى الكوفة التي إستندت إلى الاضطرار وليس فيهم ما يجعل الإمام عليه السلام يهاجر إليهم ، على العكس من أهل المدينة الذين إندفع إليهم رسولاللَّه صلى الله عليه وآله ، وقد كانوا أهلًا لحب رسولاللَّه صلى الله عليه وآله وإقباله عليهم . فقال :
« أما واللَّه ما أتيتكم اختياراً ؛ ولكن جئت إليكم سوقاً » .
والتأريخ يشير إلى هذه الحقيقة وهى لولا موقعة الجمل لما انطلق الإمام عليه السلام إلى البصرة ، ولو كان لأهل الحجاز أن يقضوا على فتنة الناكثين لما إستنجد بأهل الكوفة ، ولولا خطر معاوية الذي كان يهدد البلاد الإسلامية لما استقر الإمام عليه السلام في الكوفة وهجر المدينة وغادر قبر رسولاللَّه صلى الله عليه وآله وسيدة النساء . والواقع أنّ العبارة رداً على إشكال في علة قدوم الإمام عليه السلام إلى الكوفة وهى بهذه الصفات الذميمة ، فقد أجيب عن هذا الإشكال بأنّ الإمام عليه السلام أتى مجبراً لا مختاراً . ثم قال عليه السلام
« ولقد بلغني أنّكم تقولون : عليٌّ يكذب ، قاتلكم اللَّه تعالى ! فعلى من أكذب ؟ أعلى اللَّه ؟ فأنا أوّل من آمن به ! أم على نبيّه ؟ فأنا أوّل من صدّقه »
فالحقيقة التي لاغبار عليها هي أنّ الإمام عليه السلام أول من آمن من الرجال باللَّه ، كما تشير حياته إلى أنّه لم يسجد لصنم ولم يعبد سوى اللَّه وأنّه أول من صدق برسول اللَّه صلى الله عليه وآله ووقف إلى جانبه طيلة الدعوة . ولعل الكلام يشير إلى بعض إخباره بالمغيبات والحوا دث التي كانت خافية على أولئك الناس ، وقد انطلق ذلك التكذيب من قبل تلك الفرقة المنافقة التي كانت متغلغلة في صفوف أهل الكوفة والتي كانت تنسب الإمام عليه السلام إلى الكذب كلما أخبر عن
نفحات الولاية — صفحة 96
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٦