القسم الأول : كان ولم يكن أحد سواه
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، والْخالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قائِماً قادِماً : إِذْ لا سَماءٌ ذاتُ أَبْراجٍ ، ولا حُجُبٌ ذاتُ إِرْتاجٍ ، ولا لَيْلٌ داجٍ ، وَلا بَحْرٌ ساجٍ ، ولا جَبَلٌ ذُو فِجاجٍ ، ولا فَجٌّ ذُو اعْوِجاجٍ ، ولا أَرْضٌ ذاتُ مِهادٍ ، وَلا خَلْقٌ ذُو اعْتِمادٍ : ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ ووارِثُهُ ، وإِلَهُ الْخَلْقِ ورازِقُهُ ، الشَّمْسُ والْقَمَرُ دائِبانِ فِي مَرْضاتِهِ : يُبْلِيانِ كُلَّ جَدِيدٍ ، ويُقَرِّبانِ كُلَّ بَعِيدٍ » .
الشرح والتفسير
استهل الإمام عليه السلام خطبته بالإشارة إلى ثلاث من صفات اللَّه فقال :
« الحمد للّه المعروف من غير رؤيةٍ »
نعم فهو ليس بجسم ولايحده زمان أو مكان يرى بالعين ؛ فالجسمية دليل النقص والحاجة إلى الزمان والمكان ، بينما اللَّه منزه عن هذا النقض والحاجة فهو كمال مطلق ، مع ذلك فقد ملأت آثاره الآفاق بما يدل على وجود ذاته المقدسة ، بما فيها الآيات الآفاقية والنفسية . فالرؤية محالة عليه ، إلّاأنّه أوضح الواضحات ، فكافة ذرات العالم تسبحه وتقدسه وتشهد له بالوجود . وقال عليه السلام في الصفة الثانية :
« والخالق من غير رويّةٍ » « 1 »
فانّما يحتاج إلى الفكر من كان هناك أشياء مجهولة لديه ، أما من لم يكن له من شئ مجهول فالفكر محال عليه . كما يحتمل أن يكون المراد يقوله
« غير رويّةٍ »
بأنّ سابقة لم تكن لهذا الخلق الذي خلقه اللَّه ، خلافاً لخلاقية الإنسان التي تحتذي بالتجارب . ثم قال في الصفة الثالثة :
« الّذي لم يزل قائماً دائماً »
فالازلية والأبدية من مختصات الذات المقدسة التي تعد من لوازم تلك الذات المطلقة
هامش
( 1 ) « روية » من مادة « ري » على وزن حي الفكر وإمعان النظر إذا وردت من باب التفعيل ، ولما كان الإنسانيأخذ بنظر الاعتبار سوابق كل الأشياء والأعمال حين التفكير فانّ هذه المفردة تطلق كناية على الأمور التي لاسابقة لها .