ومن هنا نقف على عظم جهود النبي صلى الله عليه وآله في إخراج تلك الجماعة الممزقة الميتة من الظلمات إلى النور وتبديل خوفها أمنا وفقرها غنى ونزاعها وقتالها إلى إخوة وصلح وسلام ، كما جعلهم أمّة متحضرة متمدنة حتى انتشر الإسلام ورفعت رايته خفاقة في أغلب ربوع المعمورة ، وقد استسلمت الملوك والسلاطين والجبابرة والطغاة لجيوش المسلمين الفاتحة التي حملت مشاعل الهداية والخير والصلاح . كما نهض المجتمع الإسلامي نهضات عظيمة ليشهد ذلك التطور والأزدهار في كافة المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية . وحقاً إن هذا لمن معجزات الدين الإسلامي الخالد وا لجهود المضنية التي بذلها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ؛ ولا غرو فانّ كافة الحسابات المادية تشير إلى إنّ إنقاذ تلك الامّة مما كانت عليه والأخذ بيدها إلى حيث العزة والرفعة والسمو والكمال لا يمكن تحقيقه في ظل المعادلات الطبيعية والحسابات المادية ! وكما أوردنا سالفا فانّ هدف الإمام عليه السلام يكمن في تحذير الامّة من مغبة العودة إلى الجاهلية المقيتة بثيابها الجديدة وإنّ الإمام عليه السلام سيقف بوجهها كما وقف بوجهها رسولاللَّه صلى الله عليه وآله واخمدها بجهاده .
الجاهلية المعاصرة
لقد وقفنا على الصورة الرائعة التي رسمها الإمام عليه السلام للعصر الجاهلي بتلك العبارات المشحوتة بالفصاحة والبلاغة . وبالطبع فقد أشرنا إلى جانب من مميزات ذلك العصر في الخطبة الثانية من المجلد الأول والخطبة السادسة والعشرين من المجلد الثاني . غير أنّه لا يمكن الوقوف على عظمة جهود النبي صلى الله عليه وآله في هداية تلك الأقوام ما لم يتأمل الإنسان بعض تفاصيل حياة العرب في العصر الجاهلي من حيث الحروب والسلام والتقاليد والأعراف والخرافات والأباطيل التي كانت تنظم شؤون حياتهم . والمهم هنا هو أنّ هذه الجاهلية إنّما ترتدي اليوم حلة جديدة في مجتمعاتنا المعاصرة بينما تشترك في مميزاتها وخصائصها والجاهلية الأولى . فقد كانت القيم الحقة مغيبة في العصر الجاهلي ، ودماء الأبرياء العزل تسفك بسهولة ، وديدنه غارات الأموال والثروات ونهبها ، ولا يفرق هذا مع الجاهلية المعاصرة التي لاتفكر سوى في الحصول على الأموال وبارخص الأساليب ، أدناها بيع أسلحة الدمار الشامل والتجارة