تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
التي أشارت إليها الآية القرآنية : « إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ . . . » « 1 » إلّاأنّ هذا التفسير لا يبدو مستقيماً بالالتفات إلى صدر الخطبة وذيلها . ثم قال عليه السلام : « ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولاخلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب « 2 » والقرون ، وما أنتم الْيوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيدٍ » . بناءاً على التفسير المذكور فانّ العهود هي المواثيق ، والعبارة إشارة لما ورد في القرآن الكريم « قُلْ أَتَّخَذتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » « 3 » أمّا البعض من الشراح فقد ذهب إلى أنّ المراد بالعهود هنا العصور وعلى هذا الضوء سيكون المفهوم واحدا مع العبارة القادمة : « ولا خلت فيما بينكم بينهم الأحقاب والقرون » ، ثم أشار الإمام عليه السلام إلى مكانته آنذاك والتي تصاف مكانة النبي صلى الله عليه وآله إزاء فجائع زمان الجاهلية فقال : « واللّه ما أسمعكم « 4 » الرّسول شيئاً إلّاوها أنا ذا مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماع كم بالأمس ، ولا شقّت لهم الأبصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الزّمان ، إلّاوقد أعطيتم مثلها في هذا الزّمان » وعليه فإنكم تشبهونهم في كل شئ ، والحال إنّكم تلوون رؤوسكم عن الحق الذي كانوا عليه . فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار ضمنياً إلى حقيقة مريرة في عصره - بسبب سوء تدبير سابق الخلفاء والانغماس في الثروات التي ملأت الجزيرة العربية من خلال الفتوحات الإسلامية التي جرت عليهم هذه الغنائم - وهى بداية جاهلية أخرى قد أصيب بها الناس . فقد ظهرت الأصنام بصور أخرى ، بحيث أصبح الدينار والدرهم صنماً ، كما أصبح المنصب والمقام صنماً . فقد أوضح الإمام عليه السلام أنّ رسالته في هذا العصر والزمان هي ذات رسالة رسول‌اللَّه صلى الله عليه وآله ، فهو يبين كل ما بينه النبي صلى الله عليه وآله ، ثم قال عليه السلام أنّ أسماعكم
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب / 72 . ( 2 ) « أحقاب » جمع « حقب » على وزن عنق قيل ثمانون سنة وقيل أكثر وقيل هو الدهر . ( 3 ) سورة البقرة / 80 . ( 4 ) من الواضح أن الضمائر هنا لا ينبغي أن تكون بصيغة المخاطب ( كم ) بل لابدّ أن تكون بصيغة الغائب ( هم ) لأنّها إشارة إلى من عاش في عصر النبي صلى الله عليه وآله . ويبدو أنّ الاشتباه من النساخ ، ولذلك قبله الشراح بهذا الشكل .
نفحات الولاية — صفحة 380 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي