واصفرت أوراقها ( فهي في حال التساقط ) وقد يأس المزارع من ثمرها بعد أنّ غار ماؤها وجفت عروقها :
« على حين اصفرارٍ من ورقها ، وإياسٍ « 1 » من ثمرها ، واغورارٍ « 2 » من مائها »
وذلك لأنّ مزرعة المجتمع البشري إنّما تتزين بورود الأخلاق والفضائل ، وثمارها العدالة والمروءة والمحبة ، أمّا ماؤها فيكمن في الإيمان والورع والتقوى ؛ المعاني التي كانت مغيبة تماماً في العصر الجاهلي . حتى من الناحية المادية فقد شلت الزراعة والتجارة بسبب الحروب وعدم شياع الأمن والاستقرار فكان الفقر قد ساء العالم الجاهلي بالشكل الذي كان يدفعهم إلى قتل أولادهم ، وهذا ما أشار إليه القرآن بالقول : « وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ » « 3 » بغض النظر عن وأدهم البنات خشية الفضيحة والعار . ثم قال عليه السلام في الصفة التاسعة والعاشرة :
« قددرست « 4 » منار الهدى ، وظهرت أعلام الرّدى »
فالمنار موضع النور ، حيث كانوا يشعلون في السابق سراجاً على مرتفع حين الليل فيكون علامة للقرى المدن يشاهدها القاصي والداني فلايضل الطريق . فإذا تآلكت هذه المرتفعات وتهدمت لم يعد هناك من سراج فوقها ، فالعبارة كناية رائعة إلى سراج الكتب السماوية وتعاليم الأنبياء التي تمثل نور الهداية للجماعة الإنسانية ، وقد انطفئ هذا النور في العصر الجاهلي اثر غلبة الأهواء ، فكان من الطبيعي إذا اطفئ النور أن يعم الظلام الدامس بكل معاني الحيرة والظلال والكفر والنفاق وقال عليه السلام في الصفة الحادية عشرة :
« فهي متجهّمةٌ « 5 » لِأهلِها ، عابِسةٌ « 6 » فِي وجهِ طالِبِها »
فالعبارة كناية عن شدة العنف والنزاعات وصعوبة المعيش وتعقيد الحياة ؛ كيف لا والحياة الوادعة الامنة لاتتحق الا في ظل العدالة الاجتماعية والإخاء والمحبّة والمودة التي لم يكن لها من أثر في العصر الجاهلي . ثم قال عليه السلام :
« ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة « 7 » »
. حقاً ليست هنا لك من ثمرة لذلك الوسط بتلك
هامش
( 1 ) « إياس » على وزن قياس عدم الأصل .
( 2 ) « اغورار » من مادة « غور » الغوص في الأرض ، وعادة ما يطلق على الماء داخل الأرض وهو هنا كناية عن انقطاع الهداية .
( 3 ) سورة الإسراء / 31 .
( 4 ) « درست » من مادة « دروس » زوال الآثار وانعدامها .
( 5 ) « متجهمة » من مادة « جهم » على وزن فهم العنف والغلظة ، ويقال متجهم لمن يستقبل الآخرين وينظر إليهمبوجه كريه .
( 6 ) « عابسة » من مادة « عبوس » على وزن مجوس كناية عن الأسى الشديد للناس في العصر الجاهلي .
( 7 ) « جيفة » من مادة « جوف » ، وتطلق عادة على الميت الذي يفسد جوفه فتهب منه ريح نتنة .