تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
ثم قال عليه السلام في العبارة الخامسة : « وألبستكم العافية من عدلي » فعدالة أميرَالمؤمنين عليه السلام وتأثيرها في إعادة روح الاستقرار والهدوء إلى المجتمع ليست بخافية على أحد ، لم يكف لحظة إبان حكومته عن التأكيد على ضرورة بسط العدل والقسط ، حتى صرح عليه السلام قائلًا : « واللّه لو وجدته قد تزوج به النساء ، وملك به الإماء ، لرددته فان في العدل سعة . ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق » . « 1 » ثم قال في العبارة السادسة « وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي » فأعمال الخير والاحسان قد تشيع وتتسع رقعتها في المجتمع عن طريق الوصايا والمواعظ الخطب ، كما يمكن أن تنتشر عن طريق عرض النماذج والقدوات العملية ، والحق أن الإمام عليه السلام كان قدوة في الأمرين ، وقد شحنت كتب التواريخ ونهج‌البلاغة بسيرته العملية وأقواله بشأن أمر الناس بالمعروف والنهي عن المنكر . ثم قال عليه السلام : « وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي » . ففضائله الأخلاقية عليه السلام وعدالته وايثاره وتضحيته وزهده وورعه وتقواه ونصرته للمظلومين واليتامى والضعفاء وشجاعته وبسالته ومبارزته للابطال الظلمة ليست بخافية على أحد ، حتى اعترف بها الأعداء كمعاوية وعمرو بن العاص ، فضلًا عن الأصدقاء . وقال البعض أن : « كرائم الاخلاق » أسمى من « حسن الاخلاق » ؛ فمثلا حسن الخلق يوجب مقابلة الاحسان بالاحسان ، أو الرد عليه بما يربو عليه ، أما كرم الخلق فإنه يوجب مقابلة الإساءة بالاحسان ؛ العمل الذي قام به أميرَالمؤمنين علي عليه السلام تجاه عبد الرحمن بن ملجم بعد أن ضربه . ثم اختتم كلامه عليه السلام قائلًا : « فلا تستعملوا الرّأي فيما لا يدرك قعره البصر ، ولا تتغلغل إليه الفكر » في إشارة إلى أن ما بينه من منزلة للثقل الأصغر ( عترة النبي ) إنّما هي من الأمور التي أقرتها الإرادة الإلهية ، فإياكم والتشكيك فيها من خلال الوهم والظن والأفكار العاجزة . فهي منزلة حباهم بها العزيز الحكيم إلى جانب كونها نعمة عظيمة أنعمها اللَّه على الامّة الإسلامية . والواقع هو أنّ هذه العبارة تأكيد للعبارة السابقة التي قال فيها عليه السلام : « فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فان أكثر الحق فيما تنكرون » .
هامش
( 1 ) نهج‌البلاغة ، الخطبة 15 .
نفحات الولاية — صفحة 354 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي