الشهداء الذين قال اللَّه سبحانه وتعالى فيهم : « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » . « 1 » وعليه فالعبارة
« يموت »
تعنى الموت الظاهري ، والعبارة
« ليس بميت »
تعني عدم الموت الواقعي ، وهكذا عبارتي
« يبلى » و « ليس ببال »
. وقال البعض أنّ المراد بعدم الموت والبلى هنا المعنى المجازي ، أي أن آثارهم وتعاليمهم باقية بين الناس إلى يوم القيامة ، وكأنّهم أحياء ، ولعلنا نلمس هذا المعنى في رواية كميل في آخر نهجالبلاغة بشأن العلماء العاملين
« أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة » « 2 »
. كما احتمل أن يكون المراد بالحياة هنا تلك الحياة البرزخية التي تكون فيها الروح في قوالب مثالية لطيفة ، إلّاأنّ هذا الاحتمال يبدو مستبعداً لأنّ مثل هذه الحياة لا تختص بالأئمة والمقربين من أولياء اللَّه . ويبدو الاحتمال الأول هو الأصح ، وبالطبع فأنّها حياة أرفع من حياة الشهداء ، فإننا نناديهم في الزيارة
« تسمع كلامي وترد سلامي » « 3 »
. ثم أكد الإمام عليه السلام ذلك قائلًا :
« فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون »
في إشارة إلى أنّ معلومات الإنسان محدودة جدّاً وأنّ حقائق العالم عظيمة واسعة . والواقع أنّ العقل يقول في مثل هذه الحالة
« لا ينبغي للإنسان ان يتنكر لكل شئ لا يعرفه »
. على سبيل المثال لو لم يكن لديه من علم بشأن حياة أولياءاللَّه ، فلا ينبغي له أنّ ينكر ذلك . فليس هذا الأمر الوحيد الذي لا يعلمه أغلب الناس ، بل هناك آلاف الألوف وملايين المليونات من الوقائع المتحققة في الخارج والتي لا ندركها ، وحسب تعبير أحد العلماء أنّ وقائع العالم بمنزلة كتاب ضخم بحيث لو جمعت كافة علوم البشرية من أولها إلى آخرها لما أصبحت ورقة في ذلك الكتاب . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه ليكشف عن حقيقة مريرة صعبة وكذلك مفيده نافعة بعيدة المعنى فقال :
« واعذروا من لا حجّة لكم عليه - هوأنا »
أي أني نهضت بكافة وظائفي الملقاة على عاتقي ، فلم أقصر في وظيفتى طرفة عين وقد أديت تكليفي أمام اللَّه والعباد . وبناءاً على هذا فليس هنالك مايسي إليَّ ، ومن تفوه على فهو إمّا خاطئ أو مغرض . طبعاً هذا لا يعني أنّه لا تبدو آرائكم تجاهي وتبخلون
هامش
( 1 ) سورة آلعمران / 169 .
( 2 ) نهجالبلاغة ، الكلمات القصار 147 ، « من حسن المصادفات انه كتب هذا القسم من الخطبة في الذكرىالحادية عشرة لرحيل الإمام الخميني ( ره ) » .
( 3 ) بحارالأنوار 67 / 295 .