تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
شخص ، والعبارة « تمنحهم درها » جرياً على عادة العرب بتشبيه أغلب أمور حياتهم بالناقة ، حيث كان لها بالغ الأثر في حياتهم وعليه فهذه التشبيهات محببة إليهم . على كل حال فانّ الأفراد السطحيين لا يكادون يرون أحدهم متربعاً على عرش السلطة وقد صفت له الدنيا وقمع معارضيه حتى يظنون بخلود هذه السلطة ، والحال لا يعلم ما يخبئ الغدو ليس هنالك من سبيل للتكهنات في المسائل السياسية ، نعم لأولياءاللَّه أن يزودوا الناس بببعض هذه الأخبار المستقبلية إستناداً لعلمهم المستقى من علم اللَّه سبحانه ، ومن ذلك هذا الأخبار من الإمام عليه السلام حيث قال مواصلة لكلامه : « وكذب الظّانّ لذلك ، بل هي مجّةٌ « 1 » من لذيذ العيش يتطعّمونها برهةً ، ثمّ يلفظونها جملةً » ؛ أي سيستحوذن على الحكومة تدريجياً ، ثم يفقدونها دفعة احدة . فنحن نعلم أنّ حكومة بنيأمية لم تدم أكثر من ثمانين سنة ، فكانت أعظم مدتهم على عهد حكومة معاوية بعد شهادة الإمام علي عليه السلام وصلحه مع الإمام الحسن عليه السلام بعد أن أقبلت عليه الدنيا . ثم خلفه يزيد الذي اسود عهده بفعل قيام الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده بتلك الطريقة البشعة فلم تدم حكومته أكثر من أربع سنوات ، ثم تعاقبت الحكومات التي دام بعضها بضعة أشهر ، بل كانت حكومة معاوية بن يزيد أربعين يوماً ، ولم تشذ من ذلك سوى حكومة عبد الملك التي استغرقت عشرين سنة ، ولعل السبب يعود إلى عدم استجابته لوصايا الحجاج وعدم إراقة دماء بنيهاشم على كل حال وكما أخبر الإمام علي عليه السلام فقد كانت حكومتهم قصيرة مليئة بالأحداث المريرة - أمّا العبارة « هي مجة » فهي إشارة إلى أن بنيأمية سيذوقون لمدة عابرة نعم الدنيا ، إلّاأنّ مثلهم كمثل الذي يضع طعاماً لذيذاً في فمه ويتذوق طعمه إلّاأنّه لا يقوى على إبتلاعه ، فسرعان ما سيفقدون لذة الحكومة ، والتاريخ أفضل شاهد على ذلك في أنّ حكومتهم التي دامت ثمانين سنة - سوى بعضها - كانت مليئة بالمخاطر والنزاعات والحروب والبلابل والاضطرابات .
هامش
( 1 ) « مَجَّة » من مادة « مج » على وزن حج ، وفي الأصل تعني قذف الماء أو اللعاب من الضم بعيداً أو قريباً . ويقال‌لعصير العنب وما يشابهه « مجاج » ، على وزن عُقاب ، وأيضاً يقال للعسل « مجاج النحل » . وهنا جاء هذا الاصطلاح تعبيراً عن النصر والنجاح والموفقية التي يحصل عليها الانسان ثم يفقدها بسرعة .
نفحات الولاية — صفحة 356 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي