ورود الضيف على المضيف الكريم ، وكأنّهم كالشهداء ضيوف الرحمن الذين يرتزقون من فضل إحسانه : « بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » « 1 » . ثم قال عليه السلام :
« فقرّب على نفسه البعيد ، وهوّن الشّديد »
أي يرى قرب الأجل والقيامة التي يحسبها الأعم الأغلب بعيدة ، ولذلك سهل عليه تحمل الشدائد وصعوبات الطاعة وترك الذنوب والمعاصي . ثم تطرق عليه السلام إلى خمسة أمور يختزن كل واحد منها صفة من صفات هؤلاء العباد من أهل الاخلاص والعرفان فقال عليه السلام :
« نظر فأبصر ، وذكر فاستذكر ، وارتوى « 2 » من عذبٍ فراتٍ « 3 » سهّلت له موارده ، فشرب نهلًا ، « 4 » وسلك سبيلًا جدداً » « 5 »
فقد تضمنت هذه العبارات القصيرة البعيدة المعاني الإشارة من جانب إلى أهمية التفكر والنظر إلى عالم الوجود ومسائل الحياة التي تشكل أساس البصيرة الكاملة ومعرفة اللَّه ، كما أشارت من جانب آخر إلى المداومة على ذكر اللَّه التي تؤدي إلى إحياء القلوب وإطمئنانها : « أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ » « 6 » ثم أشار إلى الارتواء من منبع الوحي وكلمات المعصومين عليهم السلام ليتزودوا منهم فيسيروا على الطريق ويحثوا الخطى نحو قرب الحبيب والفوز بوصاله . ثم تطرق عليه السلام إلى ستة أوصاف لتهذيب نفس أولئك العباد المخلصين موضحاً معطياتها وآثارها فقال عليه السلام :
« قد خلع سرابيل الشّهوات ، وتخلّى من الهموم ، إلّا همّاً واحداً انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبوابالهدى ، ومغاليق أبواب الرّدى »
نعم فان هجر الشهوات وتصويب العين صوب مبدأ عالم الوجود وتنقية القلب إنّما يفتح بصيرة الإنسان ، فلايصبح ذلك الإنسان سالكاً لسبيل الحق فحسب ، بل يكون دليلًا ورائداً للطريق ، ثم يودعه اللَّه مفاتيح الهداية أقفال الضلالة
هامش
( 1 ) سورة آلعمران / 169 .
( 2 ) « ارتوى » من مادة « ري » على وزن طي شرب الماء .
( 3 ) « فرات » ، الماء العذب .
( 4 ) « نَهَل » بمعنى السقي أو الشراب الأول ، ومن عادة العرب ، أخذ الإبل إلى مكان شُرب الماء ، وعندما تشربوترتوي ترجع إلى مكانها ، فيقال لها نهلت الإبل أو إبلٌ نواهل . وفي المرة الثانية تُعرض على الماء فعندما تشرب ، فتسمى « الطِّل » ، وبعد ذلك تذهب الإبل للرعي في المرعى ، فاصطلاح « النهل » يستعمل عندما تشرب الإبل الشربة الأولى ، وهذا الاصطلاح يستعمل دائماً في الشرب الأول .
( 5 ) « الجدد » من جد ، الأرض الغليظة الصلبة المستوية .
( 6 ) سورة الرعد / 28 .