تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
شرح الصفات الكلية للكاملين من العرفاء وأصحاب السلوك إلى اللَّه ، حيث يتمثل مصداقهم به وزوجه والمعصومين من ولده عليه السلام . والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام لم يترك جانباً من الجوانب المهمّة لحال الإنسان الكامل حتى ذكر له أربعين صفة . فقد إستهل كلامه قائلًا : « عباد اللّه ! إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبداً أعانه اللّه على نفسه » ، فالعبارة تشير إلى نقطة مهمة وهى أنّ إجتياز هذا الطريق ليس ميسراً لأحد - دون عناية اللَّه - وذلك لعظم المخاطر والمطبات التي يتعذر على الإنسان عبورها بقوته المتواضعة ، فليس أمامه سوى التوكل على اللَّه وتسليم أموره إليه ليستلهم العون من مصدر فيضه ولطفة الذي لاينضب ، وهذا ما أشار إليه القرآن بالقول : « وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً » « 1 » . ومن الواضح أنّ ألطاف اللَّه سبحانه وتفضلاته ليست قائمة على العبث ، بل لابدّ من نيلها بواسطة التسليم المطلق وحمل القلوب إليه وعدم إسكانها غيره . ثم خاض الإمام عليه السلام في بيان نتيجة هذا اللطف قائلًا : « فاستشعر الحزن ، وتجلبب الخوف » استثعر من مادة شعار ما يلي البدن من اللباس ، وجعل الحزن بمنزلة الشعار يعني أنّ مثل هؤلاء الأفراد المؤمنين إنّما يعيشون الحزن في باطنهم على ما مضى من أيام عمرهم ولم يجدوا فيها كما ينبغي لطاعة معبودهم ، وبالطبع فانّه حزن بناء يسوقهم نحو العمل والحركة لتدارك ما فاتهم . تجلبب من مادة جلباب ما يكون فوق جميع الثياب وتجلبب الخوف إشارة إلى أنّ هؤلاء الأفراد المخلصين يراقبون أنفسهم على الدوام ، حذرين من صدور الزلل وما من شأنه أن يخرجهم من زمرة المخلصين والسعداء . كما يحتمل أن يكون حزنهم بسبب فراق المحبوب وخوفهم من عدم الوصال . ثم خاض الإمام عليه السلام في نتيجة هذا الحزن والخوف البناء : « فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعدّ القرى « 2 » ليومه النّازل به » وزهور مصباح الهداية إشارة إلى تلألأ أنوار المعارف الإلهية في قلوبهم يتذوقون بها حلاوة الإيمان : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » « 3 » والتعبير بالقري الذي يعني الوسيلة المعدة للضيوف يشير إلى أن يوم الأجل أو القيامة الذي يمثل ذروة الخشية والخوف لا يعني لهم سوى
هامش
( 1 ) سورة النور / 21 . ( 2 ) « قرى » مصدر واسم مصدر ما يهيأ للضيف ، والمراد به هنا العمل الصالح يهيئه للقاء الموت وحلول الأجل ، ومنه « المقراة » التي تطلق على الظرف الكبير الذي يوضع فيه الطعام . ( 3 ) سورة البقرة / 282 .