نعمة الفراغ في مقابل الانشغال والعمل والهم بالزوجة والولد ، والعبارة الثالثة
« وفي متنفسه »
نعمة العافية والسلامة وعدم وجود الشدائد والمصائب . أمّا العبارة
« وليمهد . . . »
فهي تشير إلى التأهب للآخرة ، في حين تشير
« وليتزود »
إلى التجهز وكسب الزاد ؛ على غرار ما يفعل الإنسان في هذه الدنيا ، حيث يعد المنزل وأدواته ثم يتجه صوب الزاد والمتاع . ثم يواصل الإمام عليه السلام تحذيراته فيقول :
« فاللّه اللّه أيّها النّاس ، فيما استحفظكم من كتابه ، واستودعكم من حقوقه » .
طبعاً المراد من الكتاب القرآن الكريم حيث كلف الناس بصيانته والالتزام بأحكامه ، أمّا المقصود بالحقوق التي استودعها العباد فهي أحكام الحلال والحرام التي ينبغي الالتزام بها وعدم مخالفتها . « 1 » ثم بين الدليل من هذا الانذار بقوله :
« فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدًى « 2 » ولم يدعكم في جهالةٍ ولا عمًى ، قد سمّى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم »
فهي عبارات قصيرة ذات معان بعيدة تختزن المفاهيم العظيمة المؤيدة بالآيات القرآنية . فقد أشار في المرحلة الأولى إلى الهدف من وراء خلق الإنسان ، ومن ثم الحديث عن الأمور التي تنطوي عليها الحياة الإنسانية ، والمرحلة الثالثة الحديث عن وجود الزعماء والعلم بالأعمال ، وتطرق بعد ذلك إلى بيان الوظائف والمسؤوليات وعلم الحق سبحانه بأعمال البشر ، وأخيرا الحديث عن قصر عمر الإنسان وحلول أجله . ومن الواضح أنّ الإنسان إذا التفت إلى هذه الأمور وصدقها بكل كيانه ووجوده سيجد من أجل حفظ كتاب اللَّه والالتزام بحقوقه . فالمهم أن يستحضر الإنسان هدف الخلق ويستفيد مما زوده به اللَّه سبحانه من إمكانات ، فيؤمن بأنّ اللَّه عالما بأفعاله وإلّا ينسى بأنّ عمره قصير آيل إلى زوال ؛ الأمور التي تلعب دوراً بناءاً في خلق شخصية الإنسان وتهذيب نفسه . فقد قال القرآن بهذا الشأن : « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاتُرْجَعُونَ » « 3 » وقال : « قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها » « 4 » وقال في الآية 30 من سورة محمد :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ » وقال « فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لايَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » . « 5 »
هامش
( 1 ) يعود الضمير في كتابه وحقوقه إلى اللَّه ، ولايتناسب ارجاع الضمير في حقوقه إلى كتابه وسياق الكلام .
( 2 ) « سُدى » على وزن شما بمعنى المهمل والذي لا هدف ولا معنى له ، وقد استفيد من هذا الاصطلاح هناللتعبير عن البعير الذي لا راعي له ، وقد هام في الصحراء على وجهه ، فيرعى من كل مكان يصل اليه .
( 3 ) سورة المؤمنون / 115 .
( 4 ) سورة الأنعام / 104 .
( 5 ) سورة الأعراف / 34 .