القسم الثاني : الزاد إلى المعاد
« فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ ، قَبْلَ إِرْهاقِ أَجَلِهِ ، وفِي فَراغِهِ قَبْلَ أَوانِ شُغُلِهِ ، وفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ ، ولْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وقَدَمِهِ ، لْيَتَزَوَّدْ مِنْ دارِ ظَعْنِهِ لِدارِ إِقامَتِهِ . فاللَّهَ اللَّهَ أَيُّها النَّاسُ ، فِيما اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتابِهِ ، واسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى ولَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهالَةٍ ولا عَمًى ، قَدْ سَمَّى آثارَكُمْ ، وعَلِمَ أَعْمالَكُمْ ، وكَتَبَ آجالَكُمْ » .
الشرح والتفسير
لفت الإمام عليه السلام الانتباه سابقاً إلى قدرة اللَّه وعلمه بخفايا الكائنات وأسرار الضمائر ، وما ذلك إلّامقدمة لما أورده هنا :
« فليعمل العامل منكم في أيّام مهله « 1 » قبل إرهاق « 2 » أجله ، وفي فراغه قبل أوان شغله ، وفي متنفّسه « 3 » قبل أن يؤخذ بكظمه « 4 » »
ثم بين عليه السلام الهدف من هذا الجهد والعمل فقال :
« وليمهّد لنفسه وقدمه ، وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته »
فالواقع هو أنّ العبارات السابقة تحدثت عن أصل السعي والعمل ، بينما عينت الأخيرة مساره وجهته .
جدير بالذكر أنّ العبارة
« أيام مهله »
فسّرت بالعبارات الثلاث اللاحقة ، فالعبارة الأولى
« قبل إرهاق أجله »
إشارة إلى أصل نعمة الحياة والعمر ، والعبارة الثانية
« وفي فراغه »
إشارة إلى
هامش
( 1 ) « مهل » على وزن اجل بمعنى المداراة والمهلة .
( 2 ) « إرهاق » من مادة « رَهَقْ » على وزن شفق بمعنى الغشية والتغطية والسيطرة ، ومن هنا فان الأجل إذا جاء للانسان فإنه يسيطر على كافة وجوده ، وقد استفيد من هذا التعبير في الخطبة أعلاه بمعنى الأجل .
( 3 ) « متنفس » من مادة « تنفس » زمان الاتساع والراحة .
( 4 ) « كَظَم » على وزن قلم بمعنى المضيق ومجرى التنفس .
و « كَظْم » على وزن هضم ، وله معنى مصدري بمعنى حبس النفس ، ويستعمل كناية عن ضبط النفس عند الغضب ، وما شابه ذلك .