الفرص السانحة للإنسان من قبيل : باقي العمر وسكينة الروح وراحة الجسم وإمكانية نيل الكمال وسهولة الاستشارة وبقاء الفرصة اللازمة للعزم والإرادة والقدرة على التوبة والاقلاع عن الذنب . فكل أمر من هذه الأمور يشكل جزءا من الفرص العظيمة الثمينة التي منحها الإنسان والتي يمكن من خلالها فعل كل شئ ونيل الخير والسعادة ؛ والحال يمكن أن يفقد الإنسان جميع هذه الفرص فيقضي على سعادته بنفسه ، ويالهم من بؤساء أولئك الذين لم يلتفقوا إلى هذه الحقيقة ، فيمارسون حياتهم كقطيع الغنم الذي ينهمك بأكله وشربه في مرعاه دون أن تلتفت إلى الذنب الذي ينهشها الواحد تلو الآخرة .
قال المرحوم السيد الرضي ( ره ) في آخر هذه الخطبة :
« وفي الخبر : أنّه لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود ، وبكت العيون ، ورجفت القلوب . ومن الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء »
وقد قال ابن أبي الحديد : واعلم أننا لايخالجنا الشكّ في أنّه عليهالسلام أفصحُ من كلّ ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين ، إلّا من كلام اللَّه سبحانه ، وكلام رسولاللَّه صلى اللَّه عليه وآله ؛ وذلك لأنّ فضيلَة الخطيب والكاتب في خطابته وتكاتبه تعتمد على أمرين ؛ هما :
مفردات الألفاظ ومركَّباتها .
أمّا المفردات فأنْ تكون سهلةً سِلسة غيرَ وحشيّة ولا معقّدة ، وألفاظه عليهالسلام كلها كذلك ؛ فأمّا المركّبات فَحُسْنُ المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام ، واشتماله على الصفات التي باعتبارها فُضِّل بعضُ الكلام على بعض ، وتلك الصفات هي الصناعة التي سَمّاها المتأخرون البديع ، من المقابلة ، والمطابقة ، وحسن التقسيم ، وردّ آخر الكلام على صَدْره ، والتّرصيع ، والتسهيم ، والتوشيح ، والمماثلة ، والاستعارة ، ولطافة استعمال المجاز ، والموازنة ، والتكافؤ ، والتَّسْميط والمشاكلة .
ولا شبهةَ أنّ هذه الصفات كلَّها موجودة في خُطَبِه وكتبه ، مبثوثة متفرقة في فُرش كلامه عليهالسلام ، وليس يوجد هذان الأمران في كلامِ أحد غيرِه فإن كان قد تعمَّلها وأفْكَر فيها ، وأعمَل رويتَه في رَصْفها ونثرها ، فلقد أتى بالعجب العُجاب ، ووجبَ أن يكون إمام الناس كلِّهم في ذلك ؛ لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله وإن كان اقتضبها ابتداء ، وفاضت على لسانه
نفحات الولاية — صفحة 274
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٧٤