الْأستار ، نطفةً دهاقاً ، « 1 » وعلقةً محاقاً ، « 2 » جنيناً وراضعاً ، ووليداً ويافعاً « 3 » »
. فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى ستة مراحل من حياة الإنسان ، ترتبط ثلاث منها بالفترة التي يكون فيها جنين وقبل الولادة ، وثلاث أخرى تتعلق بما بعد الولادة . وهى المراحل التي تطوى سريعاً وتحتفظ كل واحدة منها بميزاتها ، فبعضها عجيب للغاية والبعض الآخر ينطوي على الدروس والعبر ، فاللَّه سبحانه وبقدرته يعد من ماء الرجل الذي يفتقر إلى الصورة والشكل بعد أنّ يتكامل في ظلمات المشيمة والرحم وبطن الام إلى علقة فمضغة وعظاماً ولحماً جنيناً ذا حياة ، ليخرج إلى الدنيا ، ثم يطوي مراحل الهداية والتكامل ليبدأ مسيرته إلى الحق . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى ما زود به هذا المخلوق من وسائل وأدوات :
« ثمّ منحه قلباً حافظاً ، ولساناً لافظاً ، وبصراً لاحظاً ، ليفهم معتبراً ، يقصّر مزدجراً »
فقد منحه اللَّه العقل ليميز به الحسن من القبيح ، واللسان ليستغله في فتح صناديق كنوز العلم بالسؤال والبحث ، والعين ليدرك بها الحقائق الحسية ، ويصل إلى أهدافه النهائية من خلال هذه النعم الثلاثة ، ثم يستفيدها في إدراك الأحكام الإلهية ويعتبر بما حوله ويبتعد عما لا يليق بشأنه . فالواقع هو أن مصادر المعرفة الثلاث : العقل واللسان والعين والتي تمثل إدراك وإستيعاب المواضيع الفكرية والنقلية والعينية والحسية قد جمعت في هذه العبارة القصيرة ، وبالتالي فقد أمر الإنسان باعتماده للفوز بالسعادة والرضوان .
ثم قال عليه السلام :
« حتّى إذا قام اعتداله ، واستوى مثاله ، نفر مستكبراً ، وخبط سادراً » « 4 »
طبعاً ليس جميع الناس كذلك ، إلّاأنّ كلام الإمام عليه السلام إنّما يتناول الأغلبية العظمى التي تشاهد في المجتمعات البشرية والتي تولي ظهرها لكل شئ إذا ما شعرت بالقوة والاقتدار ونالت بعض المناصب ، كما تشكل تحذيرا لأهل الإيمان من ضرورة مراقبة النفس والسعي لأداء الشكر
هامش
( 1 ) « دهاق » من مادة « دهق » على وزن دهر بمعنى متتابعا وشدة الضغط ، ثم استعملت بمعنى الصب بالقوةوالضغط ، وأشارت هنا إلى صب النطفة في الرحم .
( 2 ) « محاق » من مادة « محق » على وزن محو النقص التدريجي والمحو ، ومن هنا يطلق المحاق على القمر في أخره ، ووصف العلقة بالمحاق بمعنى خفيت فيها ومحقت حتى زالت صورتها وتبدلت إلى جنين ، أو لأنّ لها شكل ممحو وغير معين ولم تتخذ لها صورة .
( 3 ) « يافع » من مادة « يفع » على وزن نفع الغلام راهق العشرين .
( 4 ) « سادر » من مادة « سدر » المتحير والمتخبط .