تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
الوحي وأولياء اللَّه ، وقرينة ذلك عبارات القسم السابق بشأن الهداية الإلهية بطرق النجاة وإزالة حجب الشبهات والشكوك والمهلة الكافية للاستعداد والتزود واتمام الحجة على المقصرين . على كل حال فانّ الهدف هو بيان هذه المسألة وهى كفاية المواعظ والنصائح والمعالم على الطريق لو كانت هنالك آذانا صاغية وعقولًا متفتحة وقلوباً واعية ، وبعبارة أخرى ليس هنالك من نقص في فاعلية الفاعل ، وإن كان هنالك من نقص ففي قابلية القابل . والتعبير عن الأمثال بالصائبة يفيد مطابقتها للواقع . وأمّا التعبير بالأسماع الواعية فيشير إلى أنه بعد سماع كلام لابدّ من حفظه والتأمل فيه ؛ لاسماعه من أذن وإخراجه من أخرى ، كأنّه لم يسمع شيئاً . وأمّا الفارق بين « الآراء العازمة » و « الألباب الحازمة » فهو أنّ العبارة الأولى إلى القرارات القاطعة ، وذلك لأن الإنسان لايتعظ بنصائح أولياءاللَّه وينتفع بالإرشادات مالم يمتلك العزم القاطع ؛ رغم أنه قد يقبلها ولصدق بها إلا أنه لايمتلك القدرة على اتخاذ القرار لضعف إرادته ، والألباب الحازمة إشارة إلى الأفكار العميقة التي تشخص عواقب الأعمال ، وتتامل جوانب كل مسألة ببعد نظر وسعة أفق . نعم إنّما ينتفع غاية الانتفاع من هذه المواعظ والأمثال من كان له فكر عميق وإرادة قوية واذن سامعة وقلب واع . ثم أوصى عليه السلام بالتقوى وبين مظاهرها بعبارات قصيرة بعيدة المعنى بما يقارب عشرين جملة . والحق أنّ ضالة أرباب السير والسلوك إلى اللَّه إنّما اختصرت في هذه العبارات ، حيث قال عليه السلام : « فاتقوا اللّه تقية من سمع فخشع » فإذا أذنب اعترف بذنبه وتاب إلى ربّه ( واقترف « 1 » فاعترف ، ووجل فعمل ، وحاذر فبادر ، وأيقن فأحسن ، وعبر فاعتبر ، وحذر فحذر ، وزجر فازدجر ، وأجاب فأناب ، وراجع فتاب ، واقتدى فاحتذى ، « 2 » وأري فرأى » فقد بينت مظاهر التقوى في هذه العبارات بأكمل وجه . وبالطبع فان التقوى ليس إدعاءاً ، ولاتقتصر على اجتناب الخطايا والأرجاس ، فالتقوى تبدأ من سماع كلمات دعاة لاحق وخضوع القلب لها ، إلى جانب التوبة والإنابة إلى اللَّه والاعتراف بالذنوب وخشية اللَّه والقيام بالأعمال التي تقرب إليه ، وحث الخطى نحو
هامش
( 1 ) « إقترف » من مادة « قرف » على وزن حرف بمعنى إكتسب وتستعمل اقتراف في اكتساب الاثم . ( 2 ) « إحتذى » من مادة « حذو » على وزن حذف بمعنى فصال الحذاء حسب النموذج والقياس المعين ، ثم اطلق‌الحذو والاحتذاء على مطابقة الشئ لآخر ، وقد وردت في الخطبة بمعنى المتابعة والتبعية للاسُوة في كل شئ .