السيئ
« فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة باللَّه في نيل المحبوب ودفع المكروه »
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل
« وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربّه ، لِأنّك - بزعمك - أنت هديته إلى السّاعة الّتي نال فيها النّفع ، وأمن الضّرّ ! ! »
هاتان النتيجتان الخطيرتان المترتبتان على زعم المنجم امّا فغرزهما طبيعة الفارق الكامن - حسب اعتقاد المنجمين الماضين - بين أحوال النجوم وأحكامها . وتوضيح ذلك أنّ علم النجوم كان سائداً بين أفراد البشر منذ قديم الزمان ، ولعل أولئك الأفراد الذين عاشوا قبل التأريخ قد كان لهم علم ومعرفة بالنجوم ، إلّاأنّ علم النجوم قد تطور تطوراً ملحوظاً كسائر العلوم الأخرى بعد اكتشاف الكتابة ، فحصلت الاكتشافات وتمّ التعرف على الأنظمة الخاصة التي تحكم الكواكب السيارة والمنظومة الشمسية والمجرات والثوابت حتى ظهر التقويم الذي يستند إلى حركة النجوم والقمر والشمس . أمّا إقتران بعض حركات النجوم ببعض الحوادث جعل طائفة من المنجمين تعتقد بالتدريج بأنّ هنالك تأثير لحركة النجوم في مصير الإنسان ، ثم اتسع نطاق هذا الاعتقاد حتى قيل بأنّ لكل إنسان كوكب في السماء وأنّ مصيره يعتمد إلى حد بعيد على حركات هذا الكوكب ، حتى ظهر علم جديد يصطلح عليه باحكام النجوم إلى جانب أحوال النجوم . وأحوال النجوم قائمة على أساس المشاهدات والمحاسبات المتعلقة بحركة الكواكب وشروقها وأفولها ؛ أمّا أحكام النجوم فيراد بها العقائد التي تنسب حوادث الأرض ومصير من يعيش عليها إلى النجوم . ولم تمض مدة وانطلاقا من هذا الاعتقاد إلى عبادة النجوم والاستعانة بها من أجل حل المشاكل ، وقد ظلت مثل هذه الافكار والعقائد سائدة في أذهان البعض حتى إبان ظهور الدعوة الإسلامية وشروق شمس التوحيد التي أضاءت ظلمات الشرك ، فكان بعض المنجمين يخبرون عن بعض الأحداث الآتية من خلال إستعانتهم بحركات النجوم ، ونموذج ذلك ما قاله هذا المنجم لأمير المؤمنين عليه السلام استناداً لحركة النجوم في أنّه لايظفر بمراده إذا تحرك في تلك الساعة لقتال الخوارج في النهروان ، ففند الإمام عليه السلام ما قاله المنجم ثم خالفه عملياً بأن سار في تلك الساعة إلى قتال الخوارج فهزمهم هزيمة منكرة وانتصر عليهم ذلك النصر الحاسم . نكتفي بهذا المقدار على أن نعرض له بتفصيل أكثر آخر الخطبة في بحث التأملات .
نفحات الولاية — صفحة 164
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٦٤