ولكنّه غير تامّ ؛ لأنّ من الاحتمالات كون البناء من باب الظنّ النوعي ، ومنها كونه من باب الرجاء والاحتياط ، وعليه فإذا كان الظنّ أو الرجاء أو شبههما حجّة عند العقلاء بحيث يحتجّ به العبيد على مواليهم ، والموالي على عبيدهم فهو كافٍ في إثبات المطلوب ، لأنّا لا نقصد من الحجّية إلّاهذا .
ومنها : أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن هذه السيرة « 1 » .
ويرد عليه ، أوّلًا : ما مرّ من أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لا يمكن أن تكون رادعة عن سيرة العقلاء ؛ لأنّ المراد من الظنّ فيها ليس هو الظنّ المصطلح ؛ وهو الاحتمال الراجح في مقابل العلم والشكّ والوهم ، بل إنّه في مثل هذه الآيات إشارة إلى الظنون الواهية والأوهام الباطلة ، كما تؤيّده القرائن الموجودة في نفس الآيات :
مثل ما ورد في قوله تعالى : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ » « 2 » ، فعطف على الظنّ ما تهوى الأنفس .
وما ورد في قوله تعالى : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » « 3 » ، ففسّر الظنّ بالخرص وهو التخمين والحدس بغير دليل .
ويؤيّد ذلك ورود هذه الآيات في المشركين وعبدة الأصنام الذين لم تكن عبادتهم للأصنام ناشئة من ظنّ عقلائي وأساس برهاني بلا ريب ، بل نشأت من توهّمات باطلة وخيالات كاسدة .
وثانياً : أنّه لو كان كذلك للزم تخصيص هذه الآيات في موارد العمل بالظواهر والبيّنة وخبر الواحد وقول ذي اليد وغيرها ، مع أنّ لحنها آبٍ عن التخصيص .
وثالثاً : أنّ الظاهر ورودها في خصوص أصول الدين والمسائل الاعتقاديّة الّتي لا
هامش
( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 387
( 2 ) . سورة النجم ، الآية 23
( 3 ) . سورة يونس ، الآية 66