والصحيح في الفرق بينهما أنّ الأمارة ما تكشف عن الواقع في الجملة ، ولأجل ذلك جعلت لها الحجّية عند الشرع أو العقلاء من أهل العرف فصار كشفها الناقص بمنزلة الكشف التامّ ، وأمّا الأصل فليس له كشف عن الواقع بل هو حكم جعل لمجرّد رفع الحيرة والترديد في مقام العمل لمصلحة فيه ؛ سواء كان الدليل عليه العقل أو النقل .
إذا عرفت هذا فنقول : الظاهر أنّ التفصيل المزبور من الشيخ الأعظم رحمه الله في غير محلّه ؛ لأنّ للعقلاء أيضاً اصولًا وأمارات فإنّهم يجرون البراءة مثلًا في الأحكام الجارية بين الموالي وعبيدهم وبين الحكّام ورعاياهم والرؤساء والمرؤوسين ، وفي الموضوعات في الجرائم والمسائل الحقوقيّة ، مع أنّه لا نزاع في أنّ البراءة من الأصول العمليّة .
فمجرّد كون الدليل بناء العقلاء ، لا يكون دليلًا على الأمارية بل يوافق كون المورد أصلًا أو أمارة ، فلابدّ إذن من ملاحظة كيفية بناء العقلاء وخصوصيّته حتّى يتبيّن أنّ نظرهم هل هو إلى جهة الكشف حتّى يكون المورد أمارة ، أو إلى مجرّد رفع الحيرة حتّى يكون المورد من الأصول ؟ وسيأتي بيان هذا بالنسبة إلى الاستصحاب فانتظر .
5 . استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل
لو كشفنا حرمة المخدّرات مثلًا من حكم العقل ، أي بقانون الملازمة ، فهل يصحّ استصحابه فيما إذا شككنا في بقائها في الزمان اللاحق أو لا ؟
ذهب شيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله إلى عدمه ، من باب أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم ، فلا يشكّ العقل حينئذٍ في حكم نفسه ، فلابدّ وأن يرجع الشكّ في بقاء المستصحب وعدمه إلى الشكّ في موضوع الحكم ،