ويرد عليه : أنّه بعد التأمّل في الآيات السابقة على هذه الآيات واللاحقة لها نرى أنّها تدلّ على أنّ المراد بالظنّ في هذه الآيات ليس معناه المصطلح عند الفقهاء والأصوليين ، وهو الاعتقاد الراجح ، بل المراد منه معناه اللغوي الذي يعمّ الوهم والاحتمال الضعيف أيضاً .
ففي مقاييس اللغة : « الظنّ يدلّ على معنيين مختلفين : يقين وشكّ » واستشهد لمعنى اليقين بقوله تعالى : « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ » « 1 » حيث إنّ معنى « يظنّون » فيه « يوقنون » وقال بالنسبة إلى معنى الشكّ ما إليك نصّه : « والأصل الآخر : الشكّ ، يقال ظننت الشيء إذا لم تتيقّنه » « 2 » .
وفي المفردات : « الظنّ اسم لما يحصل عن أمارة ومتى قويت أدّت إلى العلم ومتى ضعفت جدّاً لم يتجاوز حدّ التوهّم » « 3 » .
وبالجملة أنّ الظنّ الوارد في هذه الآيات إنّما هو بمعنى الأوهام الّتي لا أساس لها ولا اعتبار بها عند العقلاء .
أمّا الآية الأولى : فلأنّ الوارد قبلها هو : « إنَّ الذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُسَمُّونَ المَلائِكِةَ تَسْمِيَةَ الانْثَى » « 4 » فالتعبير ب « تسمية الأنثى » إشارة إلى ما جاء في بعض الآيات السابقة : « إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّه بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى » « 5 » من أنّ هذه الأسماء
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 46
( 2 ) . معجم مقاييس اللغة ، ج 3 ، ص 463
( 3 ) . المفردات في غريب القرآن ، ص 317
( 4 ) . سورة النجم ، الآية 17
( 5 ) . سورة النجم ، الآية 23