ذلك لأنّ العقل يحكم على أساس سلسلة من الحسابات والمشاهدات أنّ الظرف ينبغي أن يكون أكبر من المظروف ويستحيل استيعاب شيء كبير في ظرف أصغر منه . وعليه فطلب جعل العالم في بيضة هو طلب لمحال ، واتضح ممّا سبق أنّ الأمور المستحيلة خارجة تماماً من دائرة القدرة ، والقدرة إنّما تتعلق دائماً بأمر ممكن « 1 » .
وأمّا بشأن السؤال الثالث هل يستطيع اللَّه خلق موجود ولا يقدر على القضاء عليه ، هو الآخر يصدق عليه ما سبق ومن قبيل سؤال أمر محال . فمن حيث كون مثل هذا الموجود مخلوقاً للَّهلابدّ أن يكون ممكناً ، وكل ممكن عرضة للفناء ذاتاً . فإن افترضنا هذا الموجود يأبى الفناء ، فلابدّ أن نفرض في هذه الحالة أنّه واجب الوجود وبالتالي سيكون الشيء « ممكن » و « واجب » في نفس الوقت ، وبعبارة أخرى لابدّ أن يكون ممكناً كونه مخلوقاً للَّه ، ولكن من حيث إنّه يأبى الفناء فلابدّ أن يكون واجباً وهذا جمع بين النقيضين .
وكذلك السؤال أن يخلق اللَّه موجوداً لا يستطيع تحريكه هو سؤال جمع بين النقيضين ؛ فمن حيث كونه مخلوقاً للَّهلابدّ أن يكون محدوداً ومتناهياً وبالطبع قابل للتحريك ، ومن حيث تعذر تحريكه فيفترض أنّه لامتناهٍ ولا محدود ، وعليه فسؤال هذا الأمر هو جمع بين النقيضين .
وخلاصة الجواب : أنّ جميع هذه الفرضيات محالة وممتنعة وطلب إيجادها يعني إفاضة الوجود على الأمور الممتنعة ذاتاً ، والأمور الممتنعة خارجة عن دائرة القدرة ، وليست لها عقلياً قابلية الوجود . وعليه ليس هنالك من عجز في القدرة ، بل العجز في الشيء .
وبعبارة أوضح : العجز في قابلية القابل لا في فاعلية الفاعل .
هامش
( 1 ) وبعبارة أخرى فإنّ سؤال جعل العالم في بيضة هو طلب الجمع بين نقيضين ، ذلك لأنّ الظرف لما كان البيضة فلابدّ أن يكون المظروف أصغر منه ، ولما كان المظروف هو هذا العالم المترامي ، فلابدّ أن يكون مظروفه أكبر بمليارات المرات من ظرفه ، فالفرض أن يكون الشيء صغيراً وكبيراً في آن واحد ، هو فرض جمع بين النقيضين . للوقوف على المزيد بهذا الشأن راجع : كتاب معرفة اللَّه .