وعلى ضوء المبدأ المسلم الذي ذكرناه - من أنّ علم اللَّه هو الواقع ولا يتخلف عنه أبداً - فإنّ كل فعل من أفعالنا بتلك الخصوصية والصبغة التي له في الخارج معلوم لدى اللَّه منذ الأزل ، أي أنّ اللَّه يعلم منذ الأزل بأنّ ذلك الفعل المعين سيبدر منّا في لحظة معينة بمنتهى الاختيار والحرية ، وكذلك الطائفة الثانية من أفعالنا فإنّ اللَّه يعلم منذ الأزل أن فعلًا معيناً سيصدر منّا اضطراراً في ساعة معينة .
وعلى ضوء هذين المطلبين نخوض الآن في توضيح الجواب :
أثبت المطلب الأول أنّ طائفة من أفعالنا أرادية واختيارية وإننا نملك الحرية التامة في تركها أو الإتيان بها . وأثبت المطلب الثاني كما أنّ اللَّه عالم بأصل الفعل ، فهو عالم أيضاً بخصوصيته وصفته وأنّه اختياري أم اضطراري ، وبعبارة أخرى فإنّ فعلنا بتلك الخصائص والمميزات التي له في الخارج معلوم عند اللَّه . واستناداً لما مرّ معنا بشأن أفعالنا الاختيارية نستنتج أنّ اللَّه كان يعلم منذ الأزل بأنّ الشخص الفلاني سيطعن بالسكين فلاناً من الناس بالساعة الفلانية من اليوم الفلاني بملء إرادته . ومثل هذا العلم السابق ( علم اللَّه الأزلي ) لا يوجد « إجبار » الإنسان وسلبه الحرية والإرادة ، ولا يحق للشخص الجاني أن يتذرع بالعلم الإلهي فيعتبر نفسه مجبراً على القيام بتلك الجناية ، لأنّ اللَّه لم يكن عالماً بأصل الفعل فحسب ، بل كان عالماً بأنّ ذلك الشخص سيرتكب تلك الجناية باختياره وحريته ( لابدّ من التأمل ) .
وهذا العلم يؤيد ويكشف حرية الإنسان في قيامه بأفعاله دون أن يوجب أي اجبار عليه ؛ ذلك لأنّ هذا العلم الذي يأبى مخالفة الواقع بأي شكل من الأشكال يفيد أنّ الإنسان إنّما يقوم بأفعاله على أساس حريته واختياره ، ولو فرضنا أنّ ذلك الإنسان كان مجبراً على أفعاله وأنّه يقوم بها دون أدنى اختيار وحرية ، لأصبح علم اللَّه مخالف للواقع وكان جهلا .
بعبارة أخرى : إنّنا إن مارسنا أفعالنا - الحسنة أو السيئة - بحرية واختيار فإنّ علم اللَّه سيكون مطابقاً للواقع ، بينما سيخالفه إن كنّا مجبرين على تلك الأفعال .
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 39
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٩