على كل شيء قدير ، وإن قلنا يستطيع ، نتنكر لمطلقية قدرته ؛ ذلك أنّ اللَّه إن استطاع خلق جسم وعجز عن القضاء عليه أو تحريكه فكيف يكون قادراً على كل شيء ولا يستطيع أن يعدم أو يحرك جسماً يخلقه ؟
الجواب :
لا تبدو هذه الأسئلة جديدة وقد أثيرت من قبل الناس في العصور السابقة وأورد أئمّة الدين الأجوبة الشافية عنها . ولعل الجواب المجمل لكل هذه الأسئلة بعبارة واحدة وهي :
إنّ القدرة مهما كانت مطلقة ولا متناهية إنّما تتعلق بالشيء الذي يحكم العقل بإمكانه ويؤمن بأنّ هذا الشيء يمكن تحقيقه . أمّا الأشياء التي ليس لها إمكان ذاتي فهي من الأمور المستحيلة والممتنعة لدى العقل .
توضيح ذلك : أننا حين نقارن أفكارنا في الخارج نراها نوعين :
النوع الأول : الأفكار التي لا يمانع العقل من وجودها ولا تحتاج في لباسها لحلة الوجود أكثر من القدرة دون الحاجة إلى شيء أخر ، من قبيل عالم الخلق على سعته وما ينطوي عليه من كائنات ومجرات وكواكب وأقمار و . . . والممكنة ذاتها بأجمعها ، والتي تكتسب ثوب الوجود في ظل القدرة الربانية اللامتناهية .
النوع الثاني : الموضوعات التي يحكم العقل بامتناع وجودها ، وليس ذلك بسبب نقص القدرة الموجودة أو عجزها ، بل بذاتها تأبى الوجود . بعبارة أخرى : أنّ العقل حين يضعها على طاولة الحكم يدرك استحالة وجود مثل هذه الموضوعات ( وإن كانت القدرة الموجودة لامتناهية ) وبالتالي فإنّ الخلل في ذاتها لا في موجدها . فلو طلب على سبيل المثال من خياط ماهر أن يخيط بدلة عرس لفتاة تزف إلى زوجها من قطع الطابوق أو الخشب ، أو من رسام بارع أن يرسم صورة لجناحي طاووس على أمواج البحر الهادرة ، فسيرد الشخصان بالطبع بأنّ هذه الوسائل والأدوات ليست مؤهلة للموضوعات المطلوبة ، فلا يمكن خياطة بدلة من الطابوق أو الخشب ، كما لا يمكن رسم صورة على أمواج البحر .
أجوبة المسائل الشرعية — صفحة 34
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٤