نسق غيره وانضمامه بسائرالمباينات معه في الحكم يعدّ من وضع الشيء في غير موضعه ، وقد وفّقني اللَّه تعالى لتأليف رسالة مستقلّة سمّيتها العقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف أُثبّت فيه أنّ كتاب الإسلام - هذا المصحف الشريف ، الموجود بين الدفّتين ، والمنتشر نسخته في أقطار الأرض كافّة - ممّا لم يقع فيه خلاف لأحد من زعماء المسلمين ، وليس بموضوع عندهم لأيّ خلاف يكون لا في مسألة التحريف ، ولا في مسألة الخلق .
أمّا : انّه ليس موضوع الخلاف في مسألة التحريف ؛ فلما حصل عند جميع المسلمين تحقّق ، حتّى صار ضرورياً من إجماع جميع فرق الإسلام ، واتّفاقهم على أنّ كلّ واحد من تلك الآيات الشريفة التي هي فيما بين هاتين الدفّتين وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلب سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله ، وقد بلغت عنه إلى أفراد الملّة المسلمة بالتواتر المفيد للقطع واليقين ، بلا تغيير في تلك الآيات الشريفة ، ولا تبديل بغيرها ، ولا دسّ شيءٌ فيها من أحد من أفراد البشر .
فالإجماع والإتفاق والضرورة من الدّين حاصلة على أنّه ليست بين هاتين الدفّتين آية واحدة لم تكن وحياً إلهيّاً ، فضلًا عن الأكثر ، بل ليست بينها جملة واحدة ذات اعجاز به غير وحي من اللَّه تعالى .
و بما أنّ الاعتقاد بجيمع تلك الأمور من ضروريات عقايد دين الإسلام ، فمن أنكر بعضها لم يعتبروه مسلماً ، بل يعدّونه منكراً ، لصريح القرآن
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
« 1 » ، وغيرها من الآيات الكثيرة .
وكذلك الإجماع والاتفاق حاصل من أعلام علماء الإسلام على عدم الاعتداد ، والاعتماد بالأخبار الآحاد الّتي ذكرت فيها السور المعيّنة ، أو الآيات المشخّصة به عين ألفاظها ؛ ملصقة بكرامة القرآن الشريف ؛ معلنة بأنّها منقوصة منه ؛ لأنّها أخبار آحاد ظنّية ، لاتفيد عندهم علماً ولا عملًا ، وليست بحجّة في موضوع القرآن ، وإثبات الأحكام الإلهيّة .
فالأحكام الكثيرة المقرّرة في شرع الإسلام لها من حرمة التنجيس ، و وجوب الإزالة ، و وجوب القراءة في الصلاة ، والإنصات لها و غير ذلك ، فلا يترتّب جميع تلك الأحكام إلّاعلى ما ثبت قرآنيّته بالتواتر ، والمتواتر - كما مرّ - هو خصوص ما يوجد بين الدفّتين ، دون ما كان خارجاً عنه ، والأخبار باختصاص تلك الآثار مخصوص ما بين الدفّتين ، مستفيضة عن أئمّة أهل البيت الأطهار عليهم السلام . وأنا لم أر حتّى اليوم ، و لم أسمع أحداً من مشايخنا ، و علماء أصحابنا ،
هامش
( 1 ) . الإسراء : 17 / 88