أي لم يجبر المكلّف على ما كلّفه به ، بل خيّره وأقدره على الفعل والترك ، ونهاه وحذّره تحذيراً ، وأعطاه على القليل الذي كلّف به كثيراً ، فإذا عصى بعد التخيير وإعطاءِ القدرة على الفعل والترك والتحذير والوعد بالثواب الجزيل فمنه التفريط ، وإذا أطاع فله الفَرَط ؛ لأنّ اللَّه تعالى كان قد أعطاه قدرة يمكنه بها عدمُ الفعل « 1 » .
قوله عليه السلام : ( ولكانَ المُذنِبُ أولى بالإحسانِ . . . ) .
وذلك لأنّ خلق القبيح في المذنب يشتمل على أذى يستحقّ في مقابلته الإحسانَ ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ؛ لأنّهم قائلين « 2 » بحصول عقوبة ، فالمحسن أحرى بها ؛ لسلامته من أذى الذنب الذي هو نوع عقوبة ، فتساويا في العقوبة ، تعالى اللَّه عن مثل هذا ، وإنّما يلزم « 3 » من مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمان المجوّزين الظلمَ والقبيح عليه تعالى . وباقي الحديث ظاهر ؛ واللَّه أعلم .
في حديث أبي بصير « 4 »
قوله عليه السلام : ( ومَنْ زَعَمَ أنّ الخيرَ والشرَّ إليه ) .
الظاهر أنّ المراد : من زعم أنّ الخير والشرّ أمرهما ومآلهما إليه تعالى ، وليس للعبد قوّة ولا اختيار على الفعل والترك ، بل هو مجبور عليهما ، فقد كَذَب على اللَّه ، وعلى هذا المعنى ناسب نقله في هذا الباب ؛ فليتأمّل .
هامش
( 1 ) . في حاشية النسخة هكذا : فظهر من هذا الكلام الشريف أنّه ليس المراد بالقضاء والقدر الفعلَ والخلق ؛ لأنّ مع ذلك ينتفي التخيير وقد أثبته عليه السلام بقوله : « كلّف تخييراً » و « يبطل الثواب والعقاب كما نبّه عليه عليه السلام لقبحه من الحكيم على فعل الغير ، ولا الإلزامَ والوجوبَ ؛ لأنّ بطلان الثواب والعقاب لا يتفرّعان عليه ، فلم يبق إلّاكون المراد بهما الإحكامَ والتبيين والكتابة في اللوح المحفوظ لحصر معانيهما في هذه الثلاثة كما بيّن في موضعه ؛ واللَّه أعلم ( منه ) .
( 2 ) . كذا ، والصحيح : « قائلون » .
( 3 ) . أيتساويهما في العقوبة .
( 4 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 156 ، ح 2 .