قال : نعم ، قال : « لا تَقِسْ ، فإنَّ أوّلَ من قاسَ إبليسُ حين قال : خلقتَني من نار وخلقتَه من طين ، فقاسَ ما بين النار والطين ، ولو قاسَ نوريّةَ آدمَ بنوريّة النار عَرَفَ فَضْلَ ما بين
شرح
قوله عليه السلام « لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس » معناه - واللَّه أعلم - : لا تفعل هذا الفعل الذي أوّل من فعله واخترعه إبليس ، ومن فعل كفعل إبليس كان مثله .
ولا شبهة في أنّ هذا الفعل كان من إبليس فعلًا شنيعاً باطلًا ، كيف وقد جعله دليلًا على ترك طاعة اللَّه سبحانه ، وحجّةً له على اللَّه ، وما كان بهذه المرتبة كان من فعل مثله مشابهاً له وجاعله أمامه ومقتداه ؛ فما أشبهه بإبليس وأشبه من كان يجب عليه اتّباعهم والانقياد إليهم بآدم ، عليهم جميعاً سلام اللَّه .
والنور الموصوف بالنوريّة هو الجوهر المتقدّم في الحديث السابق . والقياس في الحديث السابق للجوهر بالنار وهنا لنوريّة أحدهما بنوريّة الآخر ، ولا منافاة بينهما ، فإنّه لو فعل كلّاً منهما لظهر له التفاوت وخطؤه في قياسه .
لا يقال : إنّ قوله عليه السلام : « ولو قاس . . . » يدلّ على صحّة القياس في الجملة .
لأنّا نقول : إنّه عليه السلام بصدد بيان القياس الفاسد ، وهو الذي لا يعلم وجهه ، وأمّا هذا فإنّه قياس غير فاسد ؛ أو أنّه عليه السلام سمّاه قياساً لما تقدّم .
وكيف كان ، فلا يرد ما ذكر ، مع أنّ قياس منصوص العلّة المشهور أنّه لا حرج فيه ، فليس كلّ قياس باطلًا ، بل الباطل قياس إبليس وما شابهه .
وحاصله : أنّ التسمية بالقياس لا دخل لها ، بل معنى القياس ، فإن أردت بقولك : « إنّه يدلّ على صحّة القياس في الجملة » صحّةَ بعض أفراد القياس « 1 » ، فهو مسلّم ، وإن أردت ما يدخل تحته القياس الفاسد ، فهو ممنوع .
ونحو هذا قول أبي جعفر عليه السلام في حديث سدير الصيرفي : « أما علمت أنّ أصحاب الكهف كانوا صيارفة » « 2 » . وفسّره الصدوق رحمه اللَّه بقوله : يعني صيارفة
هامش
( 1 ) . في « ج » : « أفراده » .
( 2 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 114 ، باب الصناعات ، ذيل ح 2 .