وبالعقل يَكْمُلُ ، وهو دليلُه ومُبْصِرُه ومفتاحُ أمرِه ،
شرح
المذكور في الحديث السابق بقوله : « وهو أوّل خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره » كانَ هذا العاقل عالماً ، حافظاً ، ذاكراً ، فطناً ، فهماً ، أي كانَ هذا هو الموصوف بهذه في الحقيقة ؛ واللَّه أعلم .
وعلى الثاني ، وهو أن يراد بالعقل الغريزة ، فالمعنى حينئذٍ أنّ عماد الإنسان في أعضائه وقواه وحواسّه الظاهرة والباطنة وغيرها هو العقل ، فإنّه مع عدمه لا تميز له عن سائر الحيوانات ، بل هي متميّزة عليه ، فإنّه إنّما يستحقّ الإنسانيّة بالعقل . وهذه الغريزة يحصل منها الفطنة والفهم والحفظ والعلم التي يتفطّن بها ويفهم ويحفظ ، ويعلم ما ينبغي أن يدرك بها ويحصل ، فيخرج ما خرج أوّلًا ، فلا حاجة إلى إعادته .
قوله عليه السلام في هذا الحديث : ( وبالعقلِ يَكمُلُ ، وهو دليلُه ومُبصِرُه « 1 » ومِفتاحُ أمْرِه ) .
معناه على الأوّل : أنّ الإنسان بعقله للأشياء « 2 » يصير إنساناً كاملًا ، وبعدمه يكون ناقصاً بقدر ما ينقص من عقله لها .
ولعلّه السرّ في إفهام النقص ، دون أن يقال : إنّه خارج عن الإنسانيّة ونحو ذلك ممّا لا يشعر بمطلق النقص . وهو أبلغ من اعتبار أنّ غير العاقل بهذا المعنى يكون إنساناً ناقصاً ، وإن كان هذا المتبادر الذي تدلّ عليه هذه العبارة ظاهراً ؛ فافهمه .
وعلى هذا فمعنى قوله عليه السلام : « وهو دليله ومبصره . . . » أنّ عقل الإنسان للأشياء
هامش
( 1 ) . في هذه الكلمة احتمالات ثلاث : الأوّل : بفتح الميم والصاد وسكون الباء ، بمعنى الحجّة - كما في اللغة - أي ما فيه بصيرته وعلمه . هذا هو مختار السيّد الداماد في التعليقة . الثاني : اسم الفاعل من الإفعال أو التفعيل . قال به الفيض والمازنداراني . الثالث : بكسر الميم وسكون الباء وفتح الصاد ، اسم آلة ، أي ما به بصيرته . وظاهر كلام صدر المتألّهين الثاني والثالث ، وجوّز الثالث المازندراني ، واحتمل الكلّ المجلسي . راجع : التعليقة على الكافي ، للداماد ، ص 51 ؛ شرح صدر المتألّهين ، ج 1 ، ص 81 ؛ شرح المازندراني ، ج 1 ، ص 405 ؛ الوافي ، ج 1 ، ص 116 ؛ مرآة العقول ، ج 1 ، ص 81 ؛ الصحاح ، ج 2 ، ص 591 ؛ القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 503 ( بصر ) .
( 2 ) . في « د » : الأشياء » .