فقال له : أدبِرْ فأدبَرَ ؛ ثمّ قال له : أقبِلْ فأقبَلَ ؛ فقال اللَّه تبارك وتعالى : خلقتُكَ خلْقاً عظيماً ، وكرّمتُكَ على جميع خلقي » . قال : « ثمّ خلَق الجهلَ من البحر الأُجاج ظلمانيّاً ، فقال له : أدبِرْ فأدبَرَ ؛ ثمّ قال له : أقبِلْ فلم يُقْبِلْ ، فقالَ له : استكبرتَ ، فلَعَنَهُ ، ثمّ جعل للعقل خسمةً وسبعينَ جُنداً ، فلمّا رأى الجهلُ ما أكرَمَ اللَّه به العقلَ وما أعطاهُ ، أضمَرَ له العداوةَ ، فقال الجهلُ :
ياربِّ ، هذا خلقٌ مِثْلي خَلَقْتَه وكرَّمْتَه وقوَّيْتَه ، وأنا ضدُّه ولا قوّةَ لي به ، فأعْطِني من الجُنْد
شرح
تدخل الجنّة » وما هنا من هذا القبيل ؛ فالمعنى - واللَّه أعلم - : اعرفوا ذلك واتّبعوا العقل وجانبوا الجهل تهتدوا .
ولا ينافيه ما يأتي في آخر الحديث من قوله عليه السلام : « وإنّما يُدْرَكُ ذلك بمعرفة العقل وجنوده ، وبمجانبة الجهل وجنوده » فإنّ المراد - واللَّه أعلم - بالإدراك الوصول إليه ؛ ففيه تأييدٌ لما ذكر من المعرفة .
ويحتمل أن يكون بمعنى تهتدوا إن أردتم الهداية ، أو بمعنى تهتدوا إلى ما تريدون منهما ؛ كقوله تعالى :« وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ». « 1 »
قوله عليه السلام : ( فقال له : أدْبِرْ فأدْبَرَ ، ثمّ قال له : أقبِلْ فلم يُقْبِلْ ، فقال له : استكبرتَ ، فَلَعَنَه ) .
قد تقدّم أنّ اللَّه سبحانه جعل للعقل والجهل نوعاً من التكليف ، ونوعاً من العقاب مع المخالفة ، فبمخالفة الجهل لَعَنَه ، وتوعّده إن عصى بعد ذلك بالإخراج من الرحمة . وعصيانه بمخالفته ما يؤمر به لا باستعمال جنوده . ومَن تدبّر حكمة التكليف مع إعطاء القدرة للمكلّف والاستطاعة لا يتوهّم أنّ في خَلْق الجهل وجنوده ما لعلّه يخطر بالبال ؛ فهو من قبيل خلق الشهوات والدواعي في الإنسان مع قدرته على الكفّ عنها .
قوله عليه السلام فيه : ( ثمّ جعلَ للعقل خمسةً وسبعينَ جُنداً ) « 2 » .
هامش
( 1 ) . البلد ( 90 ) : 10 .
( 2 ) . في حاشية « د » : « إن اطلق الجند على الواحد كإطلاقه على المتعدّد ، كان تمييزاً ، وإلّا فهو من قبيل قول تعالى :« ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ »[ الكهف ( 18 ) : 25 ] . ( منه ) » .