وقد ذكره والده في الدرّ المنثور ، ونقل شدّة تأثّره وتأسّفه على فراقه ثمّ قال :
ولم أره من أوّل عمره إلى آخره يميل إلى لعب أو ينظر إلى غير أدب ، لم يرفع طرفه إليّ إذا كلّمني ، ويتلجلج لسانه بذلك حتّى لا أكاد أفهم ما يريد ، ولم يطلب منّي شيئاً بغير واسطة ، وكان منذ كان سنّه نحو عشر سنين معتاداً لقيام الليل وصلاته ، وينبّه النائمين للصلاة ، ويحيي جميع ليالي شهر رمضان بالعبادة والتلاوة والدعاء .
ولا يشكو إلى أحد مع كثرة عياله وتقتيري عليه في الجملة في الخرج ليعتاد القناعة . . .
ولمّا كان ابن نحو ثمان سنين سألني فقال : الولد قبل البلوغ يدخل الجنّة ؟ قلت : نعم ، فقال : ادع اللَّه أن يميتني وأنا صغير لأدخل الجنّة . قلت له : والكبير إذا كان صالحاً يدخل الجنّة أيضاً .
رزقه اللَّه أوّلًا ذكراً ، وتوفّي وهو ابن أيّام ، وكنت أبكي عليه بكاءً كثيراً ، وهو قليل البكاء ، يظهر عليه أثر الرضا بحكم اللَّه ، ووهبه اللَّه بعده ثلاث بنات ، وكلّما جاءت واحدة يظهر فيه البشر ويسلّي زوجته بأنّ ثوابنا صار أكثر . . . .
ولمّا آن أن ينتقل إلى جوار اللَّه سبحانه ورضوانه ذكر لي أنّه يريد زيارة الرضا عليه السلام ، فقلت له : أنا لا أطيق مفارقتك وإن شاء اللَّه أسافر معك في وقت آخر ، فقال لي بعد هذا :
قد تفألّت في القرآن فظهرت هذه الآية :
« فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ »
« 1 » ، فقلت له : لا آذن لك في هذا الوقت خوفاً عليك ، وبعد أيّام مرض وبقي ثمانية أيّام ، واختار له ربّه دار البقاء ، فحكم اللَّه سبحانه له بإرساله إلى المشهد المقدّس . « 2 »
فدفن في مدرسة الميرزا جعفر بالمشهد الرضوي بخراسان في مقبرة الشيرواني والسبزواري « 3 » ، وعليه آلاف التحيّة والرضوان .
هامش
( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 80 .
( 2 ) . الدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 247 - 250 .
( 3 ) . طبقات أعلام الشيعة ، القرن 12 ، ص 546 .