قال : فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبي إلا في عيسى « عليه السلام » ، فقال النبي « صلى الله عليه وآله » : لا ، بل أصدقه وأصدق به وأؤمن به ، وأشهد أنه النبي المرسل من ربه عز وجل وأقول : إنه عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً .
قالوا : وهل يستطيع العبد أن يفعل ما كان يفعل ؟ وهل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟ ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، وينبئهم بما يكنون في صدورهم وما يدخرون في بيوتهم ؟ فهل يستطيع هذا إلا الله عزو جل أو ابن الله ؟ وقالوا في الغلو فيه وأكثروا تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً !
فقال « صلى الله عليه وآله » : قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخبر قومه بما في نفوسهم ، وبما يدخرون في بيوتهم ، وكل ذلك بإذن الله عز وجل ، وهو لله عز وجل عبد ، وذلك عليه غير عار ، وهو منه غير مستنكف ، فقد كان لحماً ودماً وشعرًا وعظماً وعصباً وأمشاجاً ، يأكل الطعام ويظمأ وينصب . بارؤه وربه الأحد الحق الذي ليس كمثله شئ وليس له ند . قالوا : فأرنا مثله من جاء من غير فحل ولا أب ؟ قال : هذا آدم « عليه السلام » أعجب منه خلقاً جاء من غير أب ولا أم وليس شئ من الخلق بأهون على الله عز وجل في قدرته من شئ ولا أصعب : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وتلا عليهم : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( آل عمران : 59 ) .
قالا : فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تبايناً ، وهذا الأمر الذي لا نقر لك فهلم فلنلاعنك أينا أولى بالحق ، فنجعل لعنة الله على الكاذبين فإنها مثلة وآية معجلة .
فأنزل الله عز وجل آية المباهلة على رسول الله « صلى الله عليه وآله » : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 472
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٤٧٢