ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله « صلى الله عليه وآله » ، لأن الله ختم به الإنذار والإعذار ، وقطع به الإحتجاج والعذر بينه وبين خلقه ، وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ، ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ، ولا قربة إليه إلا بطاعته ، وقال في محكم كتابه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا . فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته ، فكان ذلك دليلاً على ما فوض إليه ، وشاهداً له على من اتبعه وعصاه ، وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه ، والترغيب في تصديقه ، والقبول لدعوته : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ، فاتباعه « صلى الله عليه وآله » محبة الله ، ورضاه غفران الذنوب ، وكمال الفوز ووجوب الجنة ، وفى التولي عنه والإعراض محادة الله وغضبه وسخطه ، والبعد منه مسكن النار ، وذلك قوله : أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، يعني الجحود به والعصيان له . . .
فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بيدي أضداده ، وأفنى بسيفي جحاده وجعلني زلفة للمؤمنين وحياض موت على الجبارين ، وسيفه على المجرمين ، وشد بي أزر رسوله « صلى الله عليه وآله » وأكرمني بنصره ، وشرفني بعلمه وحباني بأحكامه ، واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في أمته ، فقال « صلى الله عليه وآله » وقد حشده المهاجرون والأنصار ، وانغصت بهم المحافل : أيها الناس إن علياً مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ! فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول ، إذ عرفوني أني لست
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 367
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٦٧