يجلس بعد ذلك على المنبر ، واجتمع له جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار حتى برزت العواتق من خدورهن ، فبين باك وصائح وصارخ ومسترجع والنبي « صلى الله عليه وآله » يخطب ساعة ويسكت ساعة ، وكان مما ذكر في خطبته أن قال : يا معشر المهاجرين والأنصار ومن حضرني في يومي هذا وفي ساعتي هذه من الجن والإنس : فليبلغ شاهدكم الغائب ، ألا قد خلفت فيكم كتاب الله ، فيه النور والهدى والبيان ، ما فرط الله فيه من شئ ، حجة الله لي عليكم ، وخلفت فيكم العلم الأكبر علم الدين ونور الهدى وصيي علي بن أبي طالب ، ألا هو حبل الله فاعتصموا به جميعاً ولا تفرقوا عنه . . .
أيها الناس : ومن كانت له قبلي تبعة فها أنا ، ومن كانت له عدة فليأت فيها علي بن أبي طالب ، فإنه ضامن لذلك كله حتى لا يبقى لأحد عليَّ تباعة » .
أقول : تدل أحاديث وصية النبي « صلى الله عليه وآله » على أن الإمامة مهمة هداية البشرية بعد النبوة ولها مسؤوليتها الثقيلة وعهدها ميثاقها ، وعلومها وأسرارها الربانية .
لكن زعماء قريش قرروا أن لا يفهموا الإمامة وخلافة النبوة إلا رئاسة دولة محمد والتمتع بسلطانه ، وقالوا ليس من العدل أن يجمع بنو هاشم النبوة والخلافة ! فالنبوة سهمهم والخلافة لبقية البطون !
والله أصدق منهم حيث يقول : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 324
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٢٤