وساقوا الأسارى إلى المدينة ، وأمر رسول الله « صلى الله عليه وآله » بأخدود فحفرت بالبقيع فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل فكان يضرب عنقه ، فقال حي بن أخطب لكعب بن أسيد : ما ترى ما يصنع محمد « صلى الله عليه وآله » بهم ؟ فقال له : ما يسوؤك ! أما ترى الداعي لا يقلع والذي يذهب لا يرجع ، فعليكم بالصبر والثبات على دينكم ، فأخرج كعب بن أسيد مجموعةً يداه إلى عنقه وكان جميلاً وسيماً ، فلما نظر إليه رسول الله « صلى الله عليه وآله » قال له : يا كعب أما نفعتك وصية ابن الحواس الحبر الزكي الذي قدم عليكم من الشام فقال : تركت الخمر والخنزير وجئت إلى البؤس والتمور ، لنبي يبعث ، مخرجه بمكة ومهاجره في هذه البحيرة ، يجتزي بالكسيرات والتميرات ويركب الحمار العري ، في عينيه حمرة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى منكم ، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر !
فقال : قد كان ذلك يا محمد ! ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك ، ولكني على دين اليهود عليه أحيا وعليه أموت ! فقال رسول الله : قدموه فاضربوا عنقه ، فضربت .
ثم قدم حي بن أخطب فقال له رسول الله « صلى الله عليه وآله » : يا فاسق كيف رأيت صنع الله بك ؟ فقال : والله يا محمد ! ما ألوم نفسي في عداوتك ، ولقد قلقلت كل مقلقل وجهدت كل الجهد ، ولكن من يخذل الله يخذل ! ثم قال حين قدم للقتل :
لعمرك ما لامَ ابن أخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يُخذلِ
فقدم وضرب عنقه ، فقتلهم رسول الله في البردين بالغداة والعشي في ثلاثة أيام وكان يقول : أسقوهم العذب ، وأطعموهم الطيب ، وأحسنوا إلى أساراهم ، حتى قتلهم كلهم ، وأنزل الله على رسوله : « وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 341
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٤١