قالت : فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها . قالت فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله فقال : يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم ، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله عز وجل » !
فحديث ابن عمر يقول إنهم عصوا أمر النبي « صلى الله عليه وآله » وظلوا في المدينة إلا من ندر ! وحديث حذيفة يقول إنهم تفرقوا عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » ولم يبق معه إلا اثنا عشر !
وحديث عائشة يقول إنها خرجت من الحصن الذي كان فيه النساء وهو حصن بني حارثة في المدينة ( ابن هشام : 3 / 710 ) وهو في جهة العوالي وليس في جهة الخندق ( الحاكم : 4 / 50 ) فمشت باتجاه الخندق فرأت سعداً ذاهباً مع جماعته إلى الخندق ، فحادت عن الطريق ودخلت في بستان هناك ، فوجدت جماعة فيهم عمر وطلحة مختبئين ! وكان عمر يتحدث عن احتمال الهزيمة العامة وفرار المسلمين ! فيجيبه طلحة : أكثرت الكلام عن الفرار ، ونحن لسنا هاربين بل متحيزون إلى الله !
وينبغي التذكير بأن آية المتسللين : قدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . ( النور : 63 ) نزلت في الفارين من حفر الخندق أو المرابطة عنده ، أو هي شاملة لهم .
قال ابن عبد البر في الدرر / 170 : « وعمل المسلمون في الخندق مجتهدين ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذاً فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره » . والكشاف : 3 / 79 ، وجوامع الجامع : 2 / 636 ، وتفسير البغوي : 3 / 359 ، وأحكام القرآن : 3 / 428 .
ويضاف إلى ما تقدم ، شهادة البيهقي في سننه : 9 / 31 : « فلما اشتد البلاء على النبي وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح ، فلما رأى رسول الله ( ص ) ما فيه
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 289
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٢٨٩