القرطبي : واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيأة الصلاة ، وهل كان إسراء
بروحه أو جسده ، فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية ، وهي مما ينبغي الوقوف
عليها والبحث عنها ، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث ، وأنا أذكر ما
وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى :
فأما المسألة الأولى : وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده ، اختلف في
ذلك السلف والخلف ، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، ولم يفارق
شخصه مضجعه ، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق ، ورؤيا الأنبياء حق .
ذهب إلى هذا معاوية وعائشة ، وحكي عن الحسن وابن إسحاق .
وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس ، وإلى السماء
الروح ، واحتجوا بقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد
الحرام إلى المسجد الأقصى . فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء . قالوا : ولو
كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره ، فإنه كان يكون
أبلغ في المدح . وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد
وفي اليقظة ، وأنه ركب البراق بمكة ، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم
أسري بجسده . وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية . وليس في
الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى
التأويل إلا عند الاستحالة ، ولو كان مناما لقال : بروح عبده ولم يقل بعبده .
وقوله : ما زاغ البصر وما طغى يدل على ذلك . ولو كان مناما لما كانت فيه
آية ولا معجزة ، ولما قالت له أم هانئ : لا تحدث الناس فيكذبوك ، ولا فضل
أبو بكر بالتصديق ، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب ، وقد كذبه قريش
فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا ، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر ، وقد
الانتصار — صفحة 200
مساهمون: العاملي
ص٢٠٠