والنفع والضرر لا يجوزان إلا على من يلذ ويألم ، لأن الحي إنما ينتفع بما يلذ به
أو يسر له ، ويستضر بما يألم به أو يغتم لأجله ، واللذة والألم لا يجوزان إلا
على ذي شهوة ونفور ، إذ معنى ملتذ : أنه أدرك ما يشتهيه ، ومعنى متألم :
أنه أدرك ما ينفر عنه ، ومعنى مسرور : أنه اعتقد أو ظن وصول نفع إليه أو
إلى من يجري مجراه واندفاع ضرر ، ومعنى مغتم : أنه اعتقد أو ظن وصول
ضرر إليه أو إلى من يجري مجراه أو فوت نفع ، فعاد معنى السرور والغم إلى
النفع والضرر .
إذا تقرر هذا وكانت الشهوة والنفار معاني تفتقر إلى محل استحال
تخصيصها . وكونه تعالى لا يشبه شيئا يحيل إدراكه سبحانه بشئ من الحواس ،
لاختصاص الادراك المعقول بالجواهر وأجناس من الأعراض ، وليس هو من
الجنسين ، فاستحال إدراكه تعالى .
ولأنه لو كان مما يصح أن يدرك بشئ من الحواس لوجب أن ندركه الآن ،
لأنا على الصفة التي معها يجب أن يدرك كلما يصح إدراكه بشرط ارتفاع
الموانع ، وهو سبحانه موجود والموانع مستحيلة عليه ، لأنها اللطافة والرقة
وتفاوت البعد والقرب والحجاب والكون في غير جهة المقابلة وذلك أجمع من
صفات المتحيزات ، وقد دللنا على كونه سبحانه بخلافها ، فلو كان مما يصح
أن يدرك لأدركناه الآن ، ولو أدركناه لعلمناه ضرورة ، من حيث كان العلم
بالمدرك من كمال العقل ، وفي عدم العلم به سبحانه ضرورة دليل على عدم
إدراكه . . . وثبوت كونه تعالى لا يشبه شيئا يحيل عليه التنقل والاختصاص
بالحياة والمجاورة ، لأن ذلك من أحكام المتحيزات وليس بمتحيز . ويحيل عليه
سبحانه الحلول وإيجاب الأحوال والأحكام ، لأن ذلك من خواص الأعراض ،
الانتصار — صفحة 206
مساهمون: العاملي
ص٢٠٦