رابعاً - التيمّم رخصة أو عزيمة :
الظاهر أنّه لا شبهة ولا شكّ في تعيّن التيمّم في صورة تعذّر الطهارة المائية عقلًا كما في صورة عدم وجود الماء ، بل لا معنى هنا للرخصة ؛ لتعذّر الطهارة المائية حقيقة وعدم جواز ترك الصلاة أو نحوها من الواجبات التي تشترط فيها الطهارة بحال .
إنّما الكلام في صور عدم إمكان استعمال الماء شرعاً ، كما في صورة استلزامه للحرج أو الضرر أو ارتكاب المحرّم أو غير ذلك ، ففي هذه الصور وقع البحث في كون التيمّم رخصة أو عزيمة ؟
فصّل الفقهاء بين الموارد التي ثبت فيها جواز التيمّم بدليل نفي الحرج وبين غيرها :
الأوّل - التيمّم في موارد حرجية الطهارة المائية :
ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ التيمّم في موارد الحرج في الوضوء أو الغسل رخصة لا عزيمة ، فلو تحمّل المكلّف المشقّة الشديدة الرافعة للتكليف وأتى بالطهارة المائية صحّت طهارته ؛ لأنّ أدلّة نفي الحرج واردة في مقام الامتنان والتوسعة ، فلا تصلح دليلًا إلّالنفي الوجوب لا لرفع الجواز « 1 » .
وبعبارة أخرى : نفي الحرج امتنان على المكلّف ، والعزيمة كلفة على خلاف الامتنان « 2 » .
ولا يرد على ذلك كون أدلّة نفي الحرج حاكمة على العمومات ، أو قل : حاكمة على أدلّة وجوب الوضوء أو الغسل فتخصّصها بغير موارد الحرج ، فلا دليل على جواز الإتيان بها في مورد الحرج ، بل هو تشريع محرّم ؛ لأنّ منشأ التخصيص كون التكليف بالوضوء أو الغسل حرجيّاً من دون أن يترتّب عليهما مفسدة لا يجوز الإقدام عليها شرعاً ، وهذا المقدار لا يقتضي إلّارفع مطلوبية الفعل على سبيل الإلزام ، وليس رفع الطلب ومحبوبية الفعل ، فلو أتى به المكلّف متحمّلًا لمشقّته فقد أتى بما هو المحبوب في الواقع وإن لم يكن واجباً عليه لمشقّته وكفى ذلك وجهاً
هامش
( 1 ) مصباح الفقيه 6 : 150 .
( 2 ) مستمسك العروة 4 : 331 . وانظر : الطهارة ( الخميني ) 2 : 105 .