لوقوعه عبادة « 1 » ، مع عدم مزاحمة ومنافاة أدلّة نفي الحرج للندب ، وعدم ظهورها في عدم مشروعية الطهارة لمثله ، بل الذي يفهم منها عرفاً وشرعاً رفع مطلوبية الفعل على نحو الإلزام « 2 » .
وبعبارة ثانية : حكومة أدلّة نفي الحرج على العمومات إنّما هي بمقدار دلالة تلك الأدلّة على النفي ، وحيث إنّها واردة في مقام الامتنان لا تدلّ من أوّل الأمر على رفع أزيد من الإلزام ، فالخارج عن تحت العمومات بعد تحكيم أدلّة نفي الحرج عليها هو الإلزام لا أصل المطلوبية ، فالدالّ على محبوبية الفعل مع الحرج أو الضرر الذي لا يجب التحرّز عنه هو نفس تلك العمومات ؛ لعدم حاكم عليها في محبوبية الفعل ، ونتيجة ذلك كون التيمّم في مورد الحرج رخصة لا عزيمة « 3 » .
ولا يرد أيضاً أنّ الحكم بصحّة وضوئه وغسله كالجمع بين المتناقضين ؛ لأنّ موضوع وجوب الغسل أو الوضوء واجد الماء ، وموضوع وجوب التيمّم فاقده ، فالحكم بجوازهما في حقّه يؤول إلى أنّه واجد الماء - ولذا يصحّ غسله ووضوؤه - وفاقده - ولذا يصحّ تيمّمه - وذلك لأنّ المكلّف في موارد الحرج والضرر واجد للماء حقيقة ومتمكّن من استعماله بحيث لو كنّا نحن والآية لحكمنا بوجوب الوضوء والغسل عليه ، إلّاأنّ الشارع رفع ذلك بأدلّة نفي الحرج والضرر امتناناً ، وهي حاكمة على أدلّة وجوب الوضوء والغسل ومخصّصة لها بلسان نفي الموضوع ، فكأنّها فرضته فاقداً للماء لا أنّه فاقد له حقيقة ، فهو حال كونه واجداً للماء يجوز له التيمّم إرفاقاً وامتناناً ، لا أنّه واجد وفاقد للماء معاً ، فلا جمع بين المتناقضين « 4 » .
ثمّ إنّ وجه صحّة الوضوء أو الغسل حينئذٍ على ما تقدّمت الإشارة إليه في كلماتهم وفصّله بعض المحقّقين ما يلي :
1 - بقاء الطلب ؛ لاقتضاء الامتنان رفع الإلزام والكلفة فقط دون رفع الجواز وأصل الطلب .
هامش
( 1 ) مصباح الفقيه 6 : 151 .
( 2 ) جواهر الكلام 5 : 111 . مصباح الفقيه 6 : 151 .
( 3 ) انظر : مصباح الهدى 7 : 178 - 179 .
( 4 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 9 : 422 - 423 .