ثالثاً - الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
1 - توقيفيّة الشرائع والأحكام :
التوقيفية في الأحكام والشرائع قد يراد بها معنى لزوم استنادها إلى أحد الأدلّة والحجج الشرعية أو العقلية ، وعدم جريان الاعتبارات والأهواء فيها ، وهذا أمر مسلّم في جميع الأحكام والشرائع ، ضرورة قبح إسناد ما لم يثبت كونه من الشرع بحجّة ودليل قاطع إليه ، وهو من واضحات العقل والنقل ؛ إذ لم يوكّل اللَّه تعالى أمر أحكامه إلى البشر ، قال تعالى :
« إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ »
« 1 » ، وقال عزّوجلّ :
« فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ »
« 2 » ، وقال سبحانه :
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ »
« 3 » .
فجميع الأنبياء والأوصياء عليهم السلام إنّما هم المبلّغون عنه ، وليس لهم شيء من ذلك إلّا بإذنه تعالى .
وقد تطلق التوقيفية ويراد بها خصوص الاستناد إلى تنصيص الشارع في الكتاب والسنّة والتعبّد من قبله ، بحيث لا يجري فيه غير التعبّد الشرعي كما في مصاديق العبادات وأجزائها .
ولعلّ الكلام هنا في الثاني ؛ إذ لو كان المراد الأوّل فلا معنى للبحث والفحص وتمييز التوقيفي عن غيره ؛ إذ عليه يكون الجميع من التوقيفيات المستندة إلى الحجج النقلية أو العقلية . وكيف كان ، فقد عدّوا من التوقيفيات موارد نتعرّض لبعضها فيما يلي :
أ - توقيفيّة أسماء اللَّه تعالى وصفاته :
وقع البحث بين الفقهاء والمفسّرين في أنّ أسماء اللَّه تعالى وصفاته توقيفيّة أم لا ؟
فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ أسماءه تعالى وصفاته توقيفيّة « 4 » ، فلا يثبت له اسمٌ ولا صفة إلّاإذا ورد من الشارع في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، ومنعوا كلّ ما لم يرد فيهما ، بل سمّوا ذلك إلحاداً في أسمائه « 5 » ؛ لقوله تعالى :
« وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 6 » ، فإنّ اللام في الأسماء الحسنى للعهد تشير إلى
هامش
( 1 ) فاطر : 23 .
( 2 ) آل عمران : 20 .
( 3 ) الأنعام : 57 .
( 4 ) انظر : صراط النجاة 3 : 432 .
( 5 ) انظر : صراط النجاة 3 : 432 . مواهب الرحمن 4 : 143 .
( 6 ) الأعراف : 180 .